في ساحة الأمم المتحدة، يقبع كرسي بني ضخم شاهق الارتفاع، يسير المارة حوله وأسفله ويتزاحم الكثيرون لالتقاط صورة أمامه، تظن أنه صمم خصيصًا كأنه رمز ملكي لأحد العظماء، عندما يرتفع بصرك عاليًا، متأملًا روعة هذا العمل الفني تصطدم عيناك بالواقع المؤلم لكرسي أعرج قُطعت إحدى أرجله الأربعة عمدًا، ليصبح بتلك الصورة التي أراد بها صانع هذا العمل توصيل رسالة إنسانية للعالم بإيقاف الألغام التي شوهت معالم الحياة وجمال الأشياء.
فالشاب الذي كان يحلم بمستقبل يفتح ذراعيه ليحتضن أحلامه وطموحاته، لم تمهله الألغام المشوهة للأحياء والأشياء، لحظة يعيش على ذكراها، ناسجًا عالمًا آخر من الخيال، يُصدم عندما يرى واقعًا أعرج يعيق نفسه، التي سئمت الحياة ولم يعد لديه رغبة في العيش وسط الحروب والصراعات
ليصبح واقع بتر إحدى رجليه حائلًا بينه وبين الحياة التي منحته الحرية يومًا ما، وسلبته أحد أعضائه ليقف عاجزًا عن السير في طريق أحلام الشباب كلما تذكَّر عجزه عن السير على قدميه.
شعر الفنان السويسري دانييل بيرسي بمعاناة الشاب الذي لم يذكر التاريخ اسمه، فقد شارك في مناطق الحروب حول العالم، وفقد إحدى رجليه بسبب الألغام ليصمم ذلك العمل الضخم، الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من 12 مترًا، مستخدمًا 5 أطنان من الخشب، لعله يحمل رسالة للدول التي تأتي دائمًا لتجتمع في أوقات مختلفة من العام بمبنى الأمم المتحدة وهذا الكرسي يقف أمامهم بضخامته حاملًا رسالته للجميع: "فقد شوهت الألغام البشرية ولم تعد لها قيمة بعد أن فقدت بعض أجزائها المهمة، حتى أصبحت ديمقراطية الأمم التي نادوا بها كثيرًا عرجاء".
وكثيرًا ما تظاهرت الوفود العربية أمام هذا الكرسي الذي أصبح ملاذًا لمعاناة الشعوب من أضرار الحروب والصراعات، للتنديد بممارسات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لإنقاذ البشرية من ويلات الحروب.
جنيف المدينة التي أصبحت ملتقى الأمم بوجود بناية عالمية تجمع أطراف العالم ببعضه "الأمم المتحدة"، أرست رسائل داعية لوقف الألغام، ليس فقط بالكرسي المكسور، بل برسوم جرافيتية منتشرة في أحد شوارعها لأطفال من جنسيات متعددة، ترجو العالم بنبذ العنف وإيقاف الألغام، باللغات الإنجليزية والفرنسية والصينية والعربية ولغات أخرى.
فصور البراعم الصغيرة التي ما زالت تحبو على أرض الأحلام البريئة اغتصبت الألغام عذريتها وغزت الدموع عيونها الصافية التي أصبحت مكدرة بغيوم المستقبل المظلم، فهذه طفلة ذات بشرة سمراء تمسك حفنة من الألغام بيدها الصغيرة وهي تجهل ما تحمله، وعيون شاردة لمستقبل مجهول، وذلك طفل آخر ببشرة بيضاء صار مقعدًا عندما عبثت يداه البريئة بالألغام التي زرعها جندي مشارك في الحروب، ليحرم من الجري خلف أقرانه الصغار، ويقبع أرضًا مثل العصفور الذي فقد قدرته على الطيران ناظرًا بحسرة على مستقبله الذي أصبح مظلمًا.
وما زال الجندي يزرع الألغام التي أصبحت شبحًا يكشِّر عن وحشيته لأطفال بريئة تجني ثمار الشر في العالم.
لعل الكرسي المكسور بضخامته وصور الأطفال التي اغتصبت الألغام براءتها منها، تجعل الأمم تخجل من الاستمرار في النزاعات وخوض الحروب التي شوَّهت الحياة، وأفقدت الأشياء رونقها وحرقت غصن الزيتون الأخضر.