«كالأسطورة.. تختلف فيه التفاسير»، لم يجد نجيب محفوظ وصفاً أليق بشخصية عبدالوهاب إسماعيل مما تقدَّم، وهبه الصفة وسحب منه الاحترام بنعومة كعادة أديب «نوبل» دائماً، منحه حقه ولم يطلق حكماً نهائياً عليه، جال «محفوظ» فى شخصيته متوقفاً عند محطات «متطابقة» فيها مع شخصية عاشت فى حياة نجيب، بل وكادت تقضى عليه. حين التقى «نجيب» وسيد قطب للمرة الأولى، انتبه الأديب الشاب إلى هالة محدثه، التى جذبت الكاتب فيه قبل الإنسان، ودار فى مدارها دورة غير قصيرة، تتبعها مستفيداً من ملامحها ومفنداً إياها، قبل أن يسوق الزمن بينهما صدامين، أحدهما مباشر والآخر غير مباشر. الصدام الأول كان بين «محفوظ» و«قطب» فى منزل الأخير فى العام 1964، بعد خروجه من السجن بعفو صحى. يقول «محفوظ» عن الزيارة: «كان مع قطب مجموعة من أصحاب الذقون، لم يكن قطب يشبه صديقى القديم الذى عرفته فيه، وأردت أن أكسر حدة الصمت الثقيل، فقلت دعابة عابرة، وافترضت أن أساريرهم ستنفرج وسيضحكون، ولكنهم نظروا إلىَّ شزراً، ولم يضحك أحد حتى سيد نفسه، وعندها غادرت البيت صامتاً، وشعرت بمدى التحول الذى طرأ عليه». نعم، إنه صدام ساقه الزمن وجد «قطب» نفسه فيه ينحنى لأصولية كانت مدفونة داخله، فرضت نفسها بفعل تغير سياسى واجتماعى معين، أمام رؤية متقدمة لروائى يمتلك براح السرد داخل شخصيته، ويملك الاختلاف الخلاق ويستوعب التنوع على امتداداته، صدام دفع بنجيب محفوظ للخلف مرتداً عن نظرته لـ«قطب»، ولتتأكد لديه عواطف الكره الشديد لجماعته.
الصدام الثانى لم يكن مباشراً، كان فكرياً بين رؤيتين للمجتمع: رؤية الحق المطلق والحرية المطلقة، كان صداماً بدأت جذوته فى الاتقاد مع نهايات حكم «السادات»، حين أطلق يد جماعات أصولية فى المجتمع، لم تدخر وسعاً فى إطفاء أى شموع للوطن، أمام تطلع مترسخ لدى المصريين تجاه التعددية فى الرؤية والتطبيق، تجاه الحرية كلمة ومعنى، فكان من البديهى أن يكون لهذا الصدام وقع قوى، وصدى أقوى، ينعكس على التعاملات الناتجة عن عادات متأثرة رغماً عنها بمعطيات فكرية ومجتمعية جديدة، فى ظل التراجع والتردى الاقتصادى لبلد أنهكته الحروب الداخلية قبل الخارجية. كان أديب «نوبل» على موعد مع تكريم العالم، بعدها كان على موعد آخر يعكس بلا جدال ما وصل إليه وضع المجتمع المصرى بين بقية المجتمعات، حضارة راقية ورموز تضىء السماء مثل النجوم أصبحت فى مهب ريح قذرة تجلب كل خبيث وتلقيه فوقها، دون يد تمسح أو تطهر لم نقُل حتى «يد تمنع وتصون»، الغريب أن من ضمن الأسس التى تتحرك عليها هذه الريح كتب وأفكار صديق الأمس سيد قطب، بعد أن تحول نتيجة انضمامه لجماعة الإخوان إلى شخص منغلق فاشٍ داع للهدم. بعد حصول «محفوظ» على جائزة نوبل بـ6 سنوات، قرر دعاة الظلام فى مصر مكافأته على منجزه التاريخى، وسددوا له طعنة نافذة كادت تودى بحياته، ولمح «نجيب» بين يدى قاتله سكيناً يحمل توقيع صديقه القديم، الذى لمح فى آخر لقاء بينهما رغبة الهدم فى عينيه، لم يكن يعلم «نجيب» وقتها أن العينين الجاحظتين اللتين لم يسترح لهما منذ أول لقاء ستوجهان نصلاً حاداً إلى رقبته، وأن العقل الذى خشى على المجتمع المصرى منه سيترك خلفه تراثاً دموياً وسيتصدى له «نجيب» بالدم والكلمة.