من المتحرش إلى الفتاة: "اقبلي الوردة.. أو الانتحار"

كتب: ميسر ياسين

من المتحرش إلى الفتاة: "اقبلي الوردة.. أو الانتحار"

من المتحرش إلى الفتاة: "اقبلي الوردة.. أو الانتحار"

مئات المارة، مع اقتراب اختفاء قرص الشمس، الجو ربيعيًا، يجذب العشاق ليستمتعوا بمنظر النيل من أعلى الجسر، أربعة أسود يجلسون عند مدخله، حرصوا على إعطاء ظهرهم لما يحدث في منتصف الكوبري، تعبيرًا عن غضبهم من تجاوزات تحدث بين الحين والآخر. تحت ظل أحد الأسود يقف مجموعة من الشباب، تجمعوا حول إحدى بائعات الورود، أعمارهم لا تتجاوز العشرين عامًا، نظارات حائرة، تنطلق من أعينهم، كمن ينتظر الانقضاض على فريسته، تمر مجموعة من الفتيات من أمامهم، لا يتردد كبيرهم في توقيفها ومحاولة إعطائها الوردة التي اشتراها خصيصًا لمثل هذه المناسبة، تسير الفتيات مسرعات في طريقهن، والخوف يملؤهن، متجاهلات الوردة الممدودة إليهن. في منتصف كوبري قصر النيل، الشهير بعمليات التحرش، تقف سيدة حرصت على إخفاء وجهها بنقاب، تمسك في يديها عشرات الورود، تعرضها للبيع على العشاق، الذي يمرون بالمصادفة أو يقصدون الكوبري للتنزه، هي شاهدة عيان على أغلب حالات التحرش على الكوبري بحكم عملها كبائعة للورود.. "الكوبري ده ياما حصل عليه حالات تحرش ومبقتش خاصة بالأعياد بس". تبذل "أم محمد"، بائعة الورد، مجهودًا مضاعفًا لضمان حصول كل من يمر على الكوبري ومعه فتاة على وردة منها، إلا أنه في كثير من الأحيان لا تضطر إلى بذل هذا المجهود، عندما يفاجئها أحد الشباب أو مجموعة منهم بشراء الورود، ليستخدموها في التحرش بالفتيات الموجودة على الكوبري.. "بيشتروا مني الورد عشان يتحرشوا بيه بالنبات وأنا بكون عارفة ده". فتاة تقف في منتصف الكوبري وحيدة، في نفس الوقت الذي يقف فيه شابا مع بائعة الورد، يشتري وردة حمراء، ويعطي ثمنها مضاعف لبائعة الورد، نظير قيامها بخدمة أخرى، يطلب الشاب من أم محمد أن تتوجه بهذه الوردة، لتعطيها للفتاة التي تقف وحيدة، لا تتردد بائعة الورد في رفض طلبه الذي يتكرر معها كثيرًا.. "البنت رفضت الوردة وقالتلي أنا معرفوش بمناسبة إيه يديني الوردة دي.. بس فيه بنات تانية بتقبل الوردة وبتتصاحب على الشاب". "الوردة الحمراء هي الشعار الرسمي للتحرش على كوبري قصر النيل"، بحسبما تروي أم محمد، والتي تضيف أن بعض البنات يتعمدن القدوم إلى هنا من أجل التعرف على الشباب، أو التعرض للتحرش منهم.. ما زالت تتذكر البنت التي انتحرت منذ أيام أعلى الكوبري، فهي كانت شاهدة عيان على الحادثة.. "البنت كانت مع صاحبتها واتخانقوا مع واحد تقريبًا خطيبها وحاول يشد منها الشنطة راحت البنت رمت نفسها من فوق الكوبري ومحدش عرف يلحقها". [SecondImage] "منتاش أبويا تربيني ولا ضل حيطة بتحميني".. كلمات مكتوبة على لافتة تحملها فتاة، تقف في الجانب الآخر من الكوبري، حرصت على التنديد بظاهرة التحرش التي أصبحت منتشرة في الشارع، أصرَّت أن تقف فوق هذا الكوبري مع زميلتها وتحمل هذه اللافتات، بعد أن ألقت فتاة بنفسها من فوق الكوبري بسبب التحرش بها.. "المكان ده أكتر مكان بيحصل فيه تحرش للبنات.. وأنا نزلت النهارده عشان أقف دقيقة حداد على البنت اللي رمت نفسها بسبب التحرش وأقول كده كفاية". تتعرَّض سلمى الحسيني يوميًا لمضايقات أثناء ذهابها إلى كليتها بجامعة القاهرة، ما جعلها مستعدة دائمًا ومتوقعة لأي موقف تحرش أو مضايقة قد تتعرض لها في الشارع أو على الكوبري الذي تضطر لعبوره يوميًا للوصول إلى جامعتها.. "بنزل من بيتنا وبكون عارفة إن فيه ناس هتضايقني.. الولد ممكن يمشي في الشارع الساعة 3 الفجر من غير ما يحصله حاجة، إنما لو رجعت البيت الساعة 10 بالليل بيبقى فيه مضايقة". أساليب التحرش تنوعت وتعددت وهي تتطور مع الوقت، ولا يدخر المتحرشون جهدًا في اختراع أو استخدام أي وسيلة تقرِّبهم من نيل هدفهم، والتحرش بالمارة، بحسبما ترى سلمى حسين، والتي تعتبر أن التحرش بالورد وإن لم يتصادف معها إلا أنها تراه يوميًا أثناء وجودها على كوبري قصر النيل من الشباب.. "الولد بيبقى واقف بوردة ومستني أي بنت تعدي عشان يرخم عليها".