لا يملّ النظر إلى تقاريره الطبية، فهى وحدها القادرة على تذكيره بما يود نسيانه، وما يلح المجتمع على محاصرته به، يكادون ينادونه فى الطرقات والشوارع «يا معاق» من فرط شعوره بأن العلة تحاصره، وأنه لا سبيل للفرار منها، خاصة كلما تقدم لشغل وظيفة ما، باعتبار أن لذوى الإعاقة حصة مضمونة فى العمل، ونسبة 5% يقرها القانون والدستور أيضاً، قبل أن يتبدد كل هذا الأمل مع رفضٍ تلو آخر لحالته، وعبارة أصبح يتمنى الموت قبل أن يسمعها: «الظروف الصحية لمقدم الوظيفة لا تسمح». لم يكن العمل أول معاناة لمدحت الشنشورى، التعليم لمن هم فى مثل ظرفه أمر شاق، يكفى أنه حصل عليه فى مدارس لا تأبه لأمر المعاق ولا احتياجاته النفسية والجسدية، معاناة ظنها انتهت حين حصل على دبلوم التجارة بشق الأنفس، لكنها كانت مجرد مرحلة فى سجل الألم الذى يلازمه.
9 سنوات يبحث عن عمل وفقاً للحق الذى أقرته الدولة فى نسبة الـ5% لذوى القدرات الخاصة بكل مؤسسات الدولة، «عندى شلل أطفال» بحسب الشاب العشرينى الذى رُفض طلبه من كل الوزارات تقريباً بردّ موحد: «الميزانية لا تسمح»، مضيفاً: «زملائى الأسوياء حصلوا على وظائف فى الأماكن نفسها اللى عندها قلة فى الميزانية»، لم ييأس الشاب الذى تحدى إعاقته باحثاً عن أماكن بديلة: «قدمت فى الأوقاف والأزهر والزراعة والمرور والمجلس القومى للإعاقة وبرضه طلبى مرفوض».
«الظروف الصحية لا تسمح»، الرد الجديد الذى بات يسمعه حين يتقدم للعمل فى وظائف حكومية: «استخرجت شهادة رسمية من جمعية التأهيل الاجتماعى للمعاقين بوزارة الشئون الاجتماعية عام 2006 تفيد أن حالتى الصحية تسمح بالعمل وفقاً لمؤهلى وظرف عجزى».
لم يتحقق من حلم الشاب سوى أنه أصبح أباً لطفلين، الحلم الذى أصبح كابوساً يؤرقه، فلا وظيفة أو إمكانيات تسمح له بإعالتهما، ليتحول الحلم إلى: «نفسى أشتغل قبل ما أموت من البطالة قبل الإعاقة».