طبيعة ضد الطبيعة (قصة قصيرة)

كتب: مصطفى عبدالمنعم

طبيعة ضد الطبيعة (قصة قصيرة)

طبيعة ضد الطبيعة (قصة قصيرة)

«ليس من الممكن أن تخالف المخلوقات طبيعتها».. لطالما سمعت أمها تردد على مسامعها تلك الجملة، خاصة عندما كانت تطاردها بفضولها الطفولى عن سبب رحيل والدها، كانت صغيرة لدرجة تكفى عدم إدراكها لكون الرحيل سمة الحياة. لم يتمكن عقلها الصغير آنذاك أن يفهم معنى ذلك - «أنت أيضاً ستدفعين حبيبك إلى الرحيل يوماً ما» كانت تردد أمها - «لن أتركه يرحل إلا وأنا معه مهما كانت الظروف» كانت إجابتها الدائمة. مرت أيام لا تعرف عددها تحديداً، جل ما تعلمه أنه قد صار لها عش صغير يجمعها وحبيبها. يمكنهما أن يطعما ما ترسله الأقدار لهما حتى يحين الوقت ويرحلا سوياً -هو ذلك البيت ضعيف الجدران- كانت تعلم جيداً أن ذلك البيت الذى بنته لم يكن ليتحمل وجودها وحبيبها وطفلتهما الصغيرة فى آن واحد. - «على أحدكما أن يرحل» كانت تتردد تلك الكلمات بصوت أمها فى رأسها حتى كادت تفقدها عقلها، هى اختارت وعليها أن تتحمل عواقب اختياراتها. اهتز البيت الهش بقوة مع هبوب رياح الشتاء. فأتاها صوت حبيبها قائلاً: - «ذلك اختيار آخر عليك تحمل نتيجته». كانت تعلم أن اختيارها لبيتهم الصغير فى ذلك المكان المرتفع كفيل بتعريض حياة الأسرة كاملة للخطر. - «لا تهمنى النتائج ما دمت هنا معى» قالتها ووجهها تعتليه ابتسامة حانية. - «هى فقط مسألة وقت قبل أن تعصف الرياح بعشنا الصغير أو تغرقه الأمطار، كان عليك أن تعملى بنصيحة أمك.. إن المخلوقات لا يمكنها أن تخالف طبيعتها حقاً»، قال حبيبها بصوت ملأه اليأس. اقتربت منه وذات الابتسامة لم تفارقها حتى صارت فى مواجهته تماماً.. ضمته وصغيرتهما ثم طالعت وجهه فى لحظات صامتة قبل أن تشتد الرياح ويرتج البيت بقوة حتى انفصل أول خيط من خيوطه وقالت بهدوئها المحبب: «ربما تحتم طبيعة بيت العنكبوت ألا يتسع إلا لأنثى ولكن ليس كل المخلوقات لا تستطيع مخالفة طبيعتها.. فأنا يا حبيبى لا أستطيع أن أقتلك.. فلتهب الرياح كما يحلو لها الآن».