الفلاحون عن الأطباء البيطريين:«ما بنشوفش الدكاترة إلا بعد وقوع البلا»

كتب: أحمد منعم

الفلاحون عن الأطباء البيطريين:«ما بنشوفش الدكاترة إلا بعد وقوع البلا»

الفلاحون عن الأطباء البيطريين:«ما بنشوفش الدكاترة إلا بعد وقوع البلا»

على وثاق بقرته الحلوب قبض «وحيد» كفه متجولاً فى أزقة قريته «دير البرشا» التابعة لمركز ملوى بمحافظة المنيا، بثيابه المهترئة الممزقة الملطخة ببقايا الطين والروث، قبل ثلاثة أيام ضاعت خلالها خيلاء الفلاح الفقير مع ضياع شهية بقرته، التى أصيبت بداء الحمى القلاعية المميت، وفى فجر اليوم الثالث جلس صاحب «البقرة الجامدة»، كما كان يصفها، متشبثاً بساقها المتجمدة باكياً على موتها فى عقر داره.بحسب الطبيب البيطرى هارون صديق، فإن بقرة وحيد هى واحدة من أصل «20 بقرة نفقت فى قرية دير البرشا الواقعة على الظهير الصحراوى الشرقى لمركز ملوى بمحافظة المنيا». وهى القرية التى ظهر فيها وباء «الحمى القلاعية» بداية نوفمبر الماضى. ووفقاً للدكتور عماد فتحى أنيس، مدير عام الطب الوقائى بمديرية الطب البيطرى بالمنيا، فقد «ظهرت خلال العام 2014 حوالى 20 بؤرة حمى قلاعية، 10 منها فى الشهرين الأخيرين؛ بواقع 7 بؤر فى نوفمبر و3 فى ديسمبر». قبل يومين فقدت نعمة موريس، المقيمة بدير البرشا، جاموستها ذات الثلاثة أعوام. «رفضت الأكل، ولا ربيع (أعواد ذرة) ولا تبن ولا شرب، جبنالها الدكتور البيطرى عطاها أدوية وحقن، وقال لنا بيعوها قلنا إنه حرام نبيعها وهى مريضة. فضلت على حالتها 3 أيام، وانتهت». لم تستجب «نعمة» لحملة تحصين المواشى لأن «البقرة كانت بعافيتها»، بحسب وصفها، وغير «نعمة» فإن كثيرين من سكان القرية لم يحصنوا رؤوس مواشيهم لأنهم «خايفين من التطعيم لأن المرض كان داير، وحقنة التطعيم بيشيلوها من البهيمة المريضة يحطوها فى السليمة، والناس قالوا هاتوا الدكتور يطعمها رفضت. قلت ما هى صاحية أطعمها ليه وتتعدى من الأمراض اللى دايرة» كما تقول الفلاحة المنياوية. ويقول الطبيب البيطرى هارون صديق، من قرية دير البرشا، إن «أغلب المواطنين بيحجموا عن التحصين بسبب أفكار خاطئة، ظناً منهم أن الأطباء بيطعموا الرؤوس المريضة والسليمة بنفس الحقن، وده طبعاً غير صحيح، ويستوجب توعية أكبر من الوحدات البيطرية». بعد موت جاموستها، استفسرت «نعمة» عن أحقيتها فى التعويضات التى تُدفع من قبل الإدارة البيطرية، لكن الرد جاءها بالنفى «لن يتم صرف أى تعويضات لرؤوس الماشية النافقة». المعلومة التى يؤكدها مدير الطب الوقائى بمديرية الطب البيطرى بالمنيا، الدكتور عماد أنيس، أن «المديرية لن تصرف أى تعويضات لأن التحصينات موجودة ونفوق الحيوانات سببه إهمال الفلاحين، وعندما صرفت المديرية التعويضات فى 2012، كان بسبب تفشى المرض لعدم وجود لقاحات بها الأمصال الجديدة sat 2 والتى تسببت فى نفوق أعداد كبيرة من الماشية». تردد عبدالنبى سيد، مربى المواشى المقيم بقرية إبوان فى مركز مطاى بمحافظة المنيا، بين مكاتب إدارات الطب البيطرى، سعياً وراء التعويض الحكومى على بقرته النافقة فى 2012 «بقرتى كانت بتدر لبن ببيعه بـ20 جنيه يومياً، ولما ماتت بالحمى القلاعية الطب البيطرى قدروا سعرها بـ9500 جنيه، لكن بعد 10 شهور صرفت 1840 جنيهاً أول عن آخر» يذكر «سيد».[FirstQuote] اعتمد «عبدالنبى» لشهور على ما تدره بقرته من حليب «لأنى بعانى من كسر فى فقرة من فقرات الضهر، ومش باقدر أشتغل حالياً، فكنت باصرف من تمن اللبن»، وبعدما نفقت بهيمته حصل «عبدالنبى» على حوالى ربع التعويض المقرر. الوضع ذاته تكرر مع آخرين من جيرانه «لما اشتكيت أنا وجيرانى ما أخدوش تعويضاتهم بالكامل، المسئول البيطرى الإخوانى وقتها قال لنا: روحوا قصر الرئاسة وقدموا تظلمات فى ديوان المظالم اللى عامله فخامة الرئيس محمد مرسى». ولم تصرف مديرية الطب البيطرى بالمنيا تعويضات لأعداد كبيرة من المربين الذين فقدوا مواشيهم، ومن بين هؤلاء مصطفى محمد، الموظف بالوحدة المحلية بقرية إبوان بمركز مطاى، «سعر العجل وقت ما مات كان 7000 جنيه تقريباً، مأخدناش منهم مليم» يقول «مصطفى». بحسب ما يرويه «مصطفى»، فإن «دكتور الوحدة البيطرية فى القرية ضيع علينا التعويض لما تقاعس إنه ييجى البيت يعاين العجل الميت، وكان أول حالة نفوق فى القرية، ولما اتأخر قررنا نتخلص من الجثة علشان العدوى، فالدكتور أنكر إننا ماتت لنا بهيمة ولما اشتكينا فى مديرية الطب البيطرى قالوا هنحقق فى الموضوع، ومن ساعتها ولا حس ولا خبر». يشكو الفلاحون الذين التقتهم «الوطن» فى قرى دير البرشا ودير أبوحنس فى مركز ملوى، وزهرة بمركز المنيا، وإبوان بمركز مطاى، من «ضعف وجود الدور الوقائى لمديرية الطب البيطرى فى قرى المنيا». الشقيقان جمال وكسبان عبدالملاك، يقطنان قرية دير أبوحنس بمركز ملوى وبحسب روايتهما فقد فقدا رأسين من الأبقار فى الأيام الأخيرة بمرض الحمى القلاعية فى ظل غياب التحصينات البيطرية. ويتهم الشقيقان «عبدالملاك» الوحدة البيطرية فى قريتهما بأنها «بتتأخر فى توفير الأمصال اللازمة لتحصين المواشى وآهى البهايم بتموت وبنخسر فلوس بالآلافات» يقول «جمال»، قبل أن يضيف: «زمان كان دكتور الوحدة البيطرية وجيه زكى الله يرحمه، بيطعم كل الحيوانات أول ما الشتا يدخل، دلوقتى ولا بنشوف دكاترة الوحدة البيطرية إلا بعد وقوع البلا». «بيسيبوا الحيوانات تموت، وبعدين يقولوا حمى قلاعية، طيب كنتم فين قبل الحمى القلاعية؟» بانفعال يردف جمال، الذى لم يحصل، هو ولا شقيقه، على تعويض على رأسى الماشية النافقين «وخسارتنا فيهم ييجى 20 ألف جنيه، عجل بـ9 آلاف، وبقرة كبيرة بـ11 ألف». ينشط مرض الحمى القلاعية «الوبائى»، بوصف الطبيب البيطرى بمركز ملوى هارون صديق، فى فصل الشتاء، ويلزم له تحصين رؤوس الماشية بجرعات «من التحصين الثلاثى أمصال المرض، والتطعيم بيدى حصانة للحيوان لمدة 6 شهور». «المفروض من أول شهر سبتمبر التحصين يكون موجود» هكذا يرى «هارون» الذى يلفت إلى أن الواقع كان خلاف ذلك «حصلت عندنا أكتر من 20 حالة نفوق فى دير البرشا وزيهم فى دير أبوحنس، والبقرة الواحدة منهم ممكن توزن 400 كيلو، وتمنها 15 أو 16 ألف جنيه، ورغم إننا بلّغنا الوحدة البيطرية بحالات النفوق المتكررة إلا أنها بدأت متأخرة جداً فى تحصين المواشى». تربية المواشى فى بيئة «موبوءة» يثير مخاوف كثيرة لدى بيشوى نسيم، الذى يساعد والده فى تربية المواشى بقرية دير أبوحنس. الكثير من الاحتياطات يلتزم بها «بيشوى» أثناء التربية «منها إننا بنغيّر الميه والأكل قدام البهايم أولاً بأول علشان الميه ماتشيلش أمراض، وبنبعد بهايمنا دايماً عن أى بهيمة عيّانة وبنسيبها فى أماكن مفتوحة أغلب الوقت علشان ما تلقطش أى عدوى». «الشيح» هو السلاح الذى يعتقد «بيشوى» أنه يمكنه مقاومة «الحمى القلاعية»، حيث يشتريه من أحد العطارين بالقرية «علشان نحطه للبهايم، لأنه معروف إنه بيحمى البهايم من العدوى، ودايماً بنقيد نار قدام الزريبة بتاعتنا علشان تقتل أى فيروس طاير فى الجو». بيدين مبللتين بلعاب مصبوغ بـ«مسّ» طبى أزرق، أجبرت «أم جرجس» بقرتها المصابة بالحمى القلاعية على إفساح الطريق إلى اللسان الملتهب لبخ المزيد من «المسّ الأزرق»، محاولات مستميتة تحاولها «أم جرجس» للحاق بالبقرتين اللتين تمتلكهما واللتين التقطتا الحمى القلاعية من هواء القرية الملوث بالمرض المميت. «طعّمت واحدة فيهم والتانية كانت عُشر لما لفوا بالتطعيمات، ماكنش ينفع أطعمها» تذكر «أم جرجس» بصوت خفيض ورأس مائل يساراً ويدين تُمسحان فى ردائها الأسود، مردفة: «اللى اتطعمت واللى ماتطعمتش جالهم المرض وبتابع معاهم». إذا تعرضت بقرتا «أم جرجس» للنفوق فإنها ستنضم إلى قائمة طويلة من المربين الذين لن يحصلوا على تعويضات على رؤوسهم النافقة، بحسب تأكيدات الدكتور عماد فتحى أنيس، مدير عام الطب الوقائى بمديرية الطب البيطرى بالمنيا، الذى يؤكد حرص مديريته على «توفير التحصين لكل الرؤوس بأسعار رمزية (10 جنيهات للجرعة) طوال العام، مع توفيره بالمجان فى بؤر المرض، فى دائرة نصف قطرها 10 كيلومترات من مكان ظهور الحالات المصابة حديثاً». وبرغم الجهود التى يشير إليها «أنيس»، فإن مديرية الطب الوقائى لم تحصن سوى «307 آلاف و682 رأساً على مستوى المحافظة، من أصل حوالى 2 مليون رأس» بحسب تصريحاته. استمعت «الوطن» إلى مجموعة من المربين قالوا إنهم خسروا رؤوساً فى الأيام الأخيرة بعد إصابة تلك الرؤوس بالحمى القلاعية، فى الوقت الذى ينفى فيه «أنيس» وجود «أى بلاغات بنفوق حيوانات بالحمى القلاعية، وإن كانت هناك بعض الحالات المصابة». ويلقى مدير الطب البيطرى الوقائى بالمنيا باللوم فى عدم وجود بلاغات بالحالات المصابة على «المواطن.. لأنه لا يسلم جثث الحيوانات النافقة لعمل الصفة التشريحية لها، وأخذ عينات لتوفير الأمصال المناسبة». «ظهور حالات جديدة مصابة بالحمى القلاعية سببه عدم تحصين كل الرؤوس» وفقاً لتقييم مسئول الطب البيطرى بالمحافظة الذى يتهم المربين بالإهمال «لعدم تحصين مواشيهم لأسباب كثيرة منها الإهمال أو الكسل أو نقص الوعى، لكن مديرية الطب البيطرى بالمنيا تقوم بالدور المنوط بها من خلال أطبائها ووحداتها وإدارات الطب البيطرى فى قرى ومراكز المحافظة». وينفى المصدر البيطرى تأخر المديرية فى القيام بحملات التحصين فى مراكز وقرى المحافظة، لافتاً إلى أن «اللقاحات متوافرة طوال العام بمقابل مادى بسيط 10 جنيهات، وهو مبلغ لا يقارن بثمن رأس الماشية التى تصل إلى حوالى 11 ألف جنيه. ويتم صرف وإعطاء التحصينات بالمجان فى محيط البؤر الجديدة». لا تمتلك مديرية الطب البيطرى بالمنيا، بحسب ما يشير إليه «أنيس»، أى خطط لتعقب مصادر المرض، حيث يقول «ظهور المرض من ضمن أسبابه وجود رؤوس ماشية جديدة تدخل إلى المحافظة من أسواق داخلية أو خارجية وتكون هذه الرؤوس حاملة للمرض الذى ينتقل عن طريق الجو إلى محيط وجودها. والهيئة تحاول التصدى للمرض بتحصين جميع الحيوانات بلا استثناء لكن لا توجد خطط لتعقب مصدر الحيوانات الحاملة للمرض، لأن المربى نفسه لا يعرف المصدر الأصلى للحيوان الذى يشتريه».