بروفايل| عبدالعزيز حجازي.. رحيل وزير مالية حرب أكتوبر
اتسقت ملامح الوجه الصارمة مع البذة الرسمية، معبرة عن رجل حاد في سياساته، يواجه صيحات الجماهير ضده "حكم النازي ولا حكم حجازي" بهدوء تاركًا المشهد، فتلاحقه التحديات التي اعتادها في معترك آخر.. الصفوف الأولى وحدها التي تليق به.
"والله عمرك ما أنت نافع"، العبارة التي لا يتذكر الدكتور عبدالعزيز حجازي رئيس وزراء مصر الأسبق، سبب توجيها له من مُدرس الرياضيات في الثانوية العامة، لا يدور في ذهنه غير قبوله التحدي من صغر سنه، ما دفعه إلى حل كل مسائل الرياضيات وإن لم تكن مقررة عليه، حتى حصل على امتياز في مجموعة الرياضيات في الشهادة المدرسية، ولم يتوقف المشهد إلا بعد سنين طويلة، وصل خلالها حجازي إلى منصب وزير، وشاء له القدر أن يزور محافظ البحيرة ليجد المغربي أفندي الذي لم ير في طالب الثانوي أملًا، مديرًا للإدارة التعليمية هناك، فلا يجد حجازي ما يعبر عما ينتابه غير بقوله: "أهلًا وسهلًا.. ها نحن نلتقي، أنا وزير وأنت مدير".
النشأة في عائلة كلها مُعلمين، دفعت ابن كفر عوض الله حجازي بالشرقية، لتقديم أوراقه في كلية العلوم، بعدما انتقل مع أسرته إلى الإسكندرية وأنهى فيها مرحلتي الابتدائي والثانوي، ولكن الصدفة قررت تغيير الواقع حينما قابله أحد الأصدقاء ولامه على هذا الاختيار، وأقنعنه بالالتحاق معه بكلية التجارة جامعة فؤاد الأول، وحصل على بكالوريوس التجارة العام 1944 بتفوق، بعدها حصل على الدكتوراه من جامعة برمنجهام البريطانية العام 1951 وعمل عضوًا بهيئة التدريس بكلية التجارة.
عقب تخرجه عُرض عليه العمل مباشرة ضمن خبراء وزارة العدل، لكنه رفض واختار العمل بمصلحة الضرائب، بدأت حياته العملية العام 1944 مأمورًا للضرائب في منطقة الدرب الأحمر، لمدة 9 أشهر.
من يومها والجميع يخشاه، فكان تجار "المانيفاتورا" يخفون نصف بضائعهم من الأقمشة حينما كانوا يعلمون بمجيئه، رغم ذلك كانت له طرقه البديلة، فكان يسأل عن عدد أولادهم ومحل الإقامة وأجرى معهم حوارات غير مباشرة، يستشف منها الحقائق، لذا حين أصبح وزيرًا للمالية كان من أول القرارات التي اتخذها إصدار البطاقات الضريبية التي نعمل بها حتى الآن.
تولي حجازي، إدارة شؤون المصريين كوزير للمالية في فترة من أشد الفترات حساسية في تاريخ مصر من 1968 حتى 1973، لم يمنعه من الوقوع في حب إحدى سيدات المجتمع، تُلين الملامح الصارمة وتفتح ما اختزنه سرًا لا يتناسب مع الحياة العملية، وتكشف عن الوجه الآخر للرجل الحازم، ليتضح أن الورد لغته التي يجيدها مع الخاصة حينما يرسل لها كارتًا معه وردة، فهو السياسي الذي يتعاقد مع محل ورد بالسنة، يأتي له كل سنة لتغيير جميع "قصاري الزرع"، ولا بديل عن الورد في أن يحل محله في إحدى المناسبات التي لا يستطيع حضورها، لا يعترف بهدايا الشيكولاتة التي قد تغني يومًا عن الورد.
عمل مع الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر عامين، ومع أنور السادات خمسة أعوام، وقال في إحدى حواراته الصحفية "في هذه الأوقات كنت حريصًا على ترتيب أوراقي جيدًا، لكي لا يتدخل البنك الدولي إلا في أضيق الحدود ولم يحدث في عهدي كلا الرئيسين أي تقصير في سداد أي قرض، وقبل حرب أكتوبر كانت كل الديون مدفوعة ولم يكن هناك إلا الدين العسكري للاتحاد السوفيتي".
"حجازي بيه يا حجازي بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه"، الهتاف الذي راج في مصر وتفاجىء به حجازي، فعزم على تقديم الاستقالة وأبلغ السادات بنيته قائلًا: "لا يمكن أن استمر في منصبي وسلطتي غير كاملة ووزير الداخلية في وزارتي يتآمر عليَّ طمعًا في الوزارة، فالهدف من وراء هذه الحملة أن أرضخ لسلطات رئيس مجلس الشعب سيد مرعي، الذي كان يطالب ببعض الطلبات للعمال والتي من شأنها أن تضع عبئًا على الخزينة وتضر المصلحة العامة"، وكان المقصود ممدوح سالم الذي تولي رئاسة الوزراء من بعده، ورأى الراحل أن الانفتاح الذي شارك في إرسائه كان قانونًا وليس سياسة، وكان ضرورة فرضتها الظروف في العام 1972.
للرجل السياسي والاقتصادي البارز جانب آخر لا يعلمه الكثيرون، فهو العاشق لقراء التاريخ حتى أطلق على أحد ابنائه اسم خالد، بعدما كتب بحثًا عن خالد بن الوليد، وأورث أبنائه الثلاثة "محمد، خالد وإبراهيم" حب الرياضيات، ودروسوا جميعهم في جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية في ذات الوقت الذي يعملون فيه بمكتب "عبدالعزيز حجازي وشركاه".
وقال نجله الأكبر محمد، عن قوة والده العلمية: "فرضت ضغوطًا علينا نحن أبناؤه بمحاولة الارتقاء بمستوانا العلمي، فضلًا عن أن تعدد خبراته في شؤون المحاسبة والإدارة زرع فينا حب العلم فنحن لا نراه إلا وبيده كتاب يتصفح فيه".
رحل حجازي، اليوم، عن عمر ناهز 91 عامًا، بعد أن أنهى آخر حلقة في سلسلة التحديات التي عاشها، بعدما تسلمت جامعة النيل، وهو رئيس مجلس أمنائها، الأرض والمباني الموجودة في مدينة الشيخ زايد بميدان جهينة بالكامل في مايو الماضي، من صندوق تطوير التعليم التابع لمجلس الوزراء، عدا المبنى الأكاديمي والذي يشغله حاليًا طلاب مدينة زويل.