بالفيديو|«الوطن» ترصد حكايات الإهمال والإهانة بقلب المستشفيات الجامعية

كتب: داليا شبل وأحمد صبحى

بالفيديو|«الوطن» ترصد حكايات الإهمال والإهانة بقلب المستشفيات الجامعية

بالفيديو|«الوطن» ترصد حكايات الإهمال والإهانة بقلب المستشفيات الجامعية

من مستشفيات جامعة عين شمس إلى مستشفيات جامعة القاهرة، لا يوجد مدخل يؤدى إلى الحياة، كل المداخل قد تفضى إلى الموت بأشكاله المختلفة، أكوام من المرضى تنتظر العلاج دون جدوى، يأتيك من بعيد صوت الصراخ المتواصل من أم ثكلى على ابنها، أو زوجة ترملت مبكراً، فقدت زوجها فى حادث سيارة، أو بنت تبكى أباها الذى مات بفيروس سى ولم يعطِِه الموت فرصة للحصول على «سوفالدى»، أو عجوز يتكئ على ذراع ابنه، أو طفل لا يقوى على الحركة تحمله أمه على كتفها. يذهب المريض للبحث عن علاج، لكن ما تعانيه المستشفيات فى مصر لا ينبئ بأى أمل فى أى علاج، المستشفيات ذاتها تعانى أمراضاً عدَّة، أدوات طبية إن وُجدت قديمة وملوثة.. الأطباء، العنصر الأساسى بها، غير متاح، فصائل الدم المختلفة غير متوافرة، إهمال فى معاملة المرضى وفى تقديم الخدمات لهم. المريض الذى ينجو من حادثة، أو فيروس قاتل، يواجه الموت على أرصفة الانتظار أمام تلك المستشفيات، أو على الأرض لعدم توافر أسرّة لهم بعد العمليات، أو بالبكتيريا القاتلة التى توجد بأكياس القمامة الملقاة فى الطرقات، والعناكب والزواحف التى تملأ عنابر المرضى. كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحاً، ضجيج السيارات يختلط بأصوات المارة، عندما توجهنا نحو بوابات مستشفى عين شمس الجامعى، حيث كان العشرات من المرضى يفترشون الرصيف الممتد بطول سور المستشفى، الذى أصبح مسكناً لانتظار المرضى وذويهم، رائحة المرض تفوح من كل ركن بالمكان، رجال ونساء، أطفال وعجائز، شيوخ وشباب، تشاركوا المرض وكذلك الصبر، اعتلت الوجوه كآبة العجز مختلطة بالأمل، فى طبيب يداوى آلامهم، أو ممرضة تحنو عليهم. داخل مستشفى الدمرداش أينما وليت وجهك لا ترى إلا الأنين أو النحيب أو البكاء فى صمت، سترى للدنيا هنا وجهاً آخر من قسوة أطباء صغار استمدوها من أساتذتهم الكبار، رصدناها فى وطن الألم المكتظ بالأجساد الممزقة والأعضاء المنهكة.[FirstQuote] هنا على مقعد الانتظار أمام غرفة الأشعة جلس حسن بشارى بجوار نجل عمه، متكئاً على الجدار، يقلب بيده أوراق متابعة حالته، ومراحل علاجه داخل المستشفى، يقتل بها الوقت الذى لا يمر، يمد الشاب الثلاثينى قدمه المصابة بكسور وجروح عميقة، على المقعد الخشبى الأزرق الذى يجلس عليه، قدمه مثبتة بمشابك من المعدن، وضعها له المستشفى بعد 3 أيام من دخوله عنبر 3 كسور، حتى تثبت العظم لحين تحديد موعد عملية تركيب شرائح ومسامير. «حسن» شاب ثلاثينى جاء من الصعيد، دفعه القدر لأن يعمل فى مجال المعمار، فشاء حظه السيئ أن يسقط من الدور الرابع فى بئر الأسانسير بعد أن اختل توازنه، فى إحدى العمارات تحت الإنشاء فى مدينة الرحاب، التى يعمل بها عامل محارة، يقول: «صحيح ربنا كتب لى عمر جديد لكن رجلى راحت، مش عارف إذا كنت هاقدر أمشى عليها تانى ولا هاعيش طول عمرى عاجز».[SecondImage] يتذكر حسن الأيام الأولى له فى المستشفى، ويمد يده ويعيد قدمه المصابة إلى جانب الجدار ويقول: «زمايلى فى الشغل بعد ما سقطت فى بير الأسانسير لفوا بىَّ على أكتر من مستشفى، وجابونى على هنا، دخلونى الطوارئ، دفعت تمن تذكرة الدخول، وحجزونى فى عنبر الكسور، لكن طلبوا منى 500 جنيه تمن تركيب جهاز تثبيت العضم لغاية ما يعملوا العملية، ماكنش معايا الفلوس، انتظرت 3 أيام لغاية ما المقاول جه دفع لى الفلوس، وخلال التلات الأيام دول مفيش دكتور كشف عليَّا، هى ممرضة تيجى مرة الصبح ومرة بالليل تدينى حقنة مسكنة وخلاص». يكمل حسن، بينما يضع ذراعه اليسرى حول عنق ابن عمه الذى هم بالوقوف ليحمله على ذراعيه من على الأرض بعد أن رفض المسئول عن الكراسى المتحركة منحه الكرسى إلا بعد دفع عشرة جنيهات: «إحنا دايخين من الصبح عشان يعطونا الأشعات القديمة، وكل ما نخلص ورق من مكان يقولوا لنا خلصوا الورق ده من المكان التانى، ابن عمى بيشيلنى، وكل ما يتعب يحطنى فى أى مكان ويروح يكمل الإجراءات ويرجع لى، إحنا بس عايزين الورق وهنروح مستشفى الهلال الأحمر، نلاقى حتى حد نعرف نتكلم معاه، هنا كل ما نسأل حد على حاجة يردوا علينا من تحت الضرس، أو يقولوا لنا ده اللى موجود وده اللى عندنا». الجدل الدائر حالياً بين نقابة الأطباء ووزارة التعليم العالى حول مشروع قانون المستشفيات الجامعية، الذى أعلن عنه وزير التعليم العالى، السيد عبدالخالق، يبدو أنه لم يضع المريض فى الحسبان، ولم يهتم بما تعانيه تلك المستشفيات من تضخم إدارى كبير ليضيفوا لها المزيد من المديرين والمشرفين، إلى جانب ميزانياتها الضعيفة التى لا تستوعب حجم الأعداد التى تذهب إليها كل يوم، ليحملوها أعباء أخرى وميزانية أخرى تليق بتعاقد الأساتذة الجامعيين، هذا الجدل حول المستشفيات الجامعية لا يبالى بمعاناة حسن، أو الآلاف من المترددين على المستشفيات الجامعية. بالقرب من حسن، جلست زوجة متعبة إلى جوار زوجها الجالس على كرسيه المتحرك؛ تقلب الفكر فى رأسها وتشكو قلة حيلتها لله. بساحة انتظار مستشفى الدمرداش، كان البلاط الحجرى الممتد أمام شبابيك التذاكر ومعمل التحاليل العام تغطيه طبقة من الأتربة، بينما كانت السيدة العجوز تقف تلتفت يميناً ويساراً تكلم نفسها، كانت ترتدى ملابس فضفاضة رمادية كحياتها، عبس وجهها تحت غطاء رأسها الأبيض، ملامح وجهها تخبرك عن أم طيبة، زوجة أصيلة، نفس صابرة، لكنها بدت حزينة، يائسة، حائرة تلتفت يميناً ويساراً، وكأنها تبحث عن شىء هى نفسها لا تعرفه. جاءت زوجة محمد محمد أبوالعلا بصحبته إلى مستشفى الدمرداش، لتخوض معركتها الصعبة، لإنقاذ زوجها من الموت، حيث لم يتناول أى طعام منذ 3 أيام، عبر أروقة وغرف المستشفى التى تمتلئ وتفيض بالمرضى، أخذت تبحث عن طبيب واحد يمكنه أن يسمع شكواها: «جيت عشان أعمل لجوزى التحاليل اللى الدكتور طلبها وبعد ما دفعت الفلوس، البنت فى معمل التحليل قالت إن المعمل قفل، والساعة لسه ماجتش 12 ونص».[SecondQuote] وتروى قصة زوجها: «عملنا العملية مرتين ومفيش فايدة، والدكاترة قالوا العملية مش هتنجح، مش مهم يمشى تانى، المهم إنه بقاله 3 أيام كل ما ياكل حاجة يرجعها، وعنده جفاف ولازم يعلق محاليل، ولازم يتحجز فى قسم المسنين، مينفعش أروّح بيه كده، مش هيلحق يوصل البيت وممكن يموت». قررنا السير معها عبر طرقات مستشفى الدمرداش، حشود من المرضى والأطباء وأطفال تلعب هنا وهناك، مرضى أنهكهم السير فجلسوا فى الطرقات، وصلنا إلى غرفة استقبال الطبيب المسئول عن قسم المسنين، كان يجلس وسط حجرة شبه فارغة، باردة كأعصابهم، بقامته الطويلة النحيلة، ووجهه ذى اللحية السوداء، خرجت الممرضة من الباب قائلة: «اتفضلوا، واحد بس يدخل مع الحالة». أرجع الدكتور «محمد فهمى» ظهره إلى الخلف على كرسى مكتبه المختفى تحت أوراق وأدوات طبية، جهاز قياس الضغط، سماعة طبية، من خلف نظارته سأل الزوجة: «إيه مشكلتك؟» دون أن يرفع عينيه ليرى ما رُسم على ملامحها من وجع وعناء.[ThirdImage] قالت له: «زوجى ماكلش من أكتر من 3 أيام، وعنده جفاف وفيه دكتور قال لازم يعلق محاليل، ويتحجز فى قسم المسنين». لم يهتم الطبيب بفحص المريض المكوم على الباب أمامه ولم يشر إلى المرأة العجوز المنهكة بالجلوس، قال لها: «إحنا معندناش مكان فى قسم المسنين، روحى قسم الباطنة وهم هناك يتصرفوا»، مشيراً إلى أن قسم الأمراض المستوطنة تم ضمه إلى قسم المسنين بما لا يسع مكاناً لأى حالة. لم يكن لديها ما تقوله انسحبت إلى خارج الغرفة وجلست على مقعد بجوار الغرفة تبكى وتردد: «حسبى الله ونعم الوكيل، أروح فين، وآجى منين؟» لم تحرك توسلاتها ساكناً للطبيب. عبر ممرات ضيقة تكاد تخنق المارة، انطلقت السيدة العجوز مع زوجها المريض ونحن من خلفها، نحو مبنى الاستقبال، المنفصل عن مبنى العيادات الخارجية، بدت الحياة خارج مبنى العيادات الخارجية، ساحات المستشفى التى تطوق المبانى من الخارج لها صوت آخر، لا يشير إلى أنين المرضى أو معاناتهم، بل يصوّر مدى إهمال الأطباء الذين تركوا مرضاهم ليجلسوا بمعاطفهم البيضاء على الكافتيريات. وصلنا إلى بوابة الاستقبال، الزوج يفقد ما تبقى فى صدره من أنفاس، صوته المكتوم يختفى، عيناه تزوغان، ثمة شىء برائحة الموت يمشى بجوار كرسيه المتحرك، وعلى الرغم من ذلك لم يسرع أحد أفراد الأمن الموجودين على البوابة ولم يهلع لإدخاله؛ خوفاً من أن تفلت روحه بين لحظة وأخرى بل أخذ يسأل عن أوراق الحالة ومن أين حُولت ومن الدكتور الذى أرسل الحالة إلى هنا.. فى النهاية استطاعت أن تفلت بمريضها إلى داخل الاستقبال، طبيبة فى العشرين من عمرها توجهت إليهما، أخذت أوراق الحالة وسألت: «الحالة كانت فى أى عيادة؟» أجابتها الزوجة التى احتمت بعمود انتصب فى وسط حجرة الاستقبال، «عيادة المسنين». سألت الطبيبة الصغيرة مستنكرة، ويبدو أنها لم تتلوث بعد بداء التبلد الذى أصاب أغلب الأطباء فى المستشفى: «ودكاترة المسنين ليه ماتعاملوش مع الحالة؟ ويعنى إيه مفيش مكان؟». جاءت طبيبة أخرى منتقبة، وقفت إلى جوار كرسى أبوالعلا، أشارت إلى عدد من الطلبة الباكستانيين، جاءوا مسرعين إليها، أمسكت بيد أبوالعلا التى لم يقو على رفعها، أخذت تدربهم عليها وكيف يبحثون عن العروق، كيف يقيسون للمريض الضغط والنبض. حالة أبوالعلا لم تكن لتتحمل مثل تلك التجارب ولا حتى الانتظار، ظل أبوالعلا على كرسيه لمدة ربع ساعة، حتى جاء هذا الشخص الذى حمله بحذر على السرير الطبى؛ بعد أن أخبرته الزوجة أن أبوالعلا عنده كسر فى الفخذ، ثم خلعت الزوجة عنه الحذاء، وأخذت الطبيبة المنتقبة عينة من دمه، حينها ظهر صوت أبوالعلا وهو يصرخ «عايز أموت، عايز أموت، ريحونى». سجل الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاعاً فى عدد مستشفيات الجامعات إلى 77 مستشفى لعام 2012 مقابل 74 مستشفى عام 2011، بنسبة زيادة قدرها 4.1٪، وتعالج المستشفيات الجامعية نسبة 30% من الحالات المرضية الأولية «الشائعة»، كما أنها تعالج حوالى نسبة 70% من الحالات المرضية المتقدمة «المعقدة». من مستشفيات عين شمس الجامعى إلى مستشفيات القاهرة الجامعية، لم يختلف الوضع كثيراً، الحال هو الحال، المرض ينهش بلا رحمة الأجساد الضعيفة، والبحث عن العلاج بلا ملل أو كلل، واليقين فى رحمة الله يجعلهم قادرين على الانتظار لساعات وساعات.[ThirdQuote] أمام عيادة تجميل الجروح قسم «8» ارتمى محمود يحيى إبراهيم على مقعد خشبى، مصفر الوجه، مغمض العينين من شدة الألم، تجلس إلى جواره زوجته حاملة صغيرهما الذى أعطاه محمود اسم والده «يحيى»، ترمقه زوجته فى صمت من حين لآخر. فى لحظة ألم حادة، باتت تأتيه كثيراً، لم يطق محمود صبراً، لعن المرض والمستشفى بأطبائه، وانبرى مدافعاً عن كرامته بكل قوة: «وصلت للمستشفى فى حالة صعبة بعد حادثة سيارة، انتظرت 7 ساعات عشان ييجى أى دكتور يشوف رجلى اللى كانت خلاص هتنفصل من مكانها، ولما لمحت دكتور وناديت عليه بأعلى صوتى، جه قالى مالك؟ قلت له هعمل العملية إمتى؟ الدكتور قال لى مفيش سرير، نعملك العملية وتنام بعدها على الأرض وتكتب تعهد على نفسك، قلت له موافق بس أعمل العملية». يتابع محمود حكايته بلهيب أنفاسه، فى مقاطع من تلك الحكاية يضرب كفاً على كف: «العملية كانت ببنج نصفى، وكنت كل ما اشتكى من حاجة الدكتور يقول لى أعملك إيه، وحاولت أساله عن حاجة قال لى ما تخرس يا بنى آدم، فى آخر العملية باقول للدكتور بعد إذنك فيه حتة مش متخيطة فى الجرح اللى فى رجلى، قال لى والله ما أنا مخيّطها، وقال للممرضين أى حد يخيّطها له، وفعلاً ممرض هو اللى خيّط لى الجرح». كان محمود يحكى غاضباً منفعلاً: «أنا من شبرا منت عشان آجى المستشفى بركب تاكسى بـ50 جنيه، لأنى معرفش أركب مواصلات، ولما أوصل المستشفى ملاقيش كرسى واحد يدخلنى العيادة علشان التغيير على الجرح، وصلت بعد طلوع روح لعيادة الكسور، دخلت على الدكتور أقوله رجلى بايظة وعايز أغيّر على الغرز، قال لى وأنا أعملك إيه، أنا اللى هخيّطها لك؟ فضلت قاعد ساعتين مفيش حد بيشوفنى ولا بيسأل عنى، رجعت تانى للدكتور، قلت له شوف لى حل أو قل لى أعمل إيه؟ قال لى وهو قاعد على مكتبه، إرفع لى رجليك على المكتب، قلت له ودى أرفعها إزاى؟ بص عليها من ورا المكتب وقال لى ارجع تانى إعمل جبيرة وروح لعيادة التجميل فى قسم الجراحة». محمود لم يرهقه المرض بقدر ما أرهقه اللف والدوران فى «قصر العينى»، وعلى رغم ذلك كان الوحيد الذى ينتقل بين جموع المرضى وهو يبتسم ويردد بإيمان: «قدّر الله وما شاء فعل».