غرباء فى كنف الوطن

كتب: د. أسماء عايد

غرباء فى كنف الوطن

غرباء فى كنف الوطن

فى الغربة نحن أحجار متدحرجة لا ينمو عليها العشب، كما يقول المثل الصينى. بينما فى المهجر نحن أحجار ثابتة ينمو عليها عشب أجنبى! الغربة أن تموت ببطء، ولكن المهجر هو أن تموت فى البداية مرة واحدة حتى تستطيع أن تحيا فيما بعد. الهجرة قد تجبُّ ما قبلها من حب الوطن بسذاجة بالغة، فالهجرة وطن آخر بمعايير مختلفة، وغربة المهجر محتملة. أما أن تشعر بالغربة فى وطنك فهذا هو الشعور الأصعب فى تحمُّله وتصديقه. فى الهجرة تحرق سفنك، علاقتك بالمكان الأول، وروابطك تضمحل فى سبيل وطن بديل يحقق لك أحلامك، ولكن الغربة مكان فقط مصدر دخل أفضل، مكان مفرَّغ من وجودك، مكان مؤقت، كل شىء فيه يذكّرك بأنك هنا مؤقت وطارئ ودخيل عليه. ربما من المفترض ألا نشعر بوجود فارق بين الهجرة والغربة ما دام البعد متشابهاً، وربما لا فارق بين الهجرة والغربة والوطن فى أيامنا هذه، لكننا ننتصر لـ«بيجماليون»، نحايل القدر.. نحاول أن نلتف عليه لنخلق وهمنا الخاص بأن لدينا وطناً هو المتن وما عداه هوامش. هناك رواية جميلة بعنوان «أرض السودان.. الحلو والمر» للدكتور أمير تاج السر. اشتق العنوان من عصير رمضانى فى السودان ضمن مكوناته السكر والبهارات، أى النقيضان. وكأن هذه الخلطة العجيبة هى السودان بتناقضاته! ومصر أيضاً عصيّة على الوصف بين الحلو والمر! وبين الحلو والمر تجوّل نزار قباتى فى الوطن العربى وليس معه إلا دفتر كتب فيه: «وأنا لا أحمل فى جيبى إلا عصفور.. لكن الضابط يوقفنى.. ويريد جوازاً للعصفور.. تحتاج الكلمة فى وطنى لجواز مرور.. أبقى مرمياً ساعات منتظراً فرمان المأمور.. أتأمل فى أكياس الرمل ودمعى فى عينىّ بحور.. وأمامى ارتفعت لافتة تتحدّث عن وطن واحد.. تتحدّث عن شعب واحد.. وأنا كالجرذ هنا قاعد.. أتقيّأ أحزانى وأدوس جميع شعارات الطبشور.. وأظلّ على باب بلادى مرمياً كالقدح المكسور»!