«الوطن»تكشف:وزير الزراعة ورّط الرئيس بمعلومات مضللة فى أزمة محمود بدر
حالة من الجدل لم تنته بعد، بسبب الأزمة التى أثارها اكتشاف صدور قرار جمهورى بالموافقة على طلب تقدم به محمود بدر العضو السابق بلجنة الخمسين لوضع الدستور، لتخصيص قطعة أرض تابعة للدولة لإقامة مصنع للتغذية المدرسية عليها، وهو ما اعتبره كثيرون «مخالفة قانونية صريحة، ومجاملة من الدولة للقيادى فى حركة تمرد»، خاصة أن «بدر» يعتزم خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة فى دائرة شبين القناطر، التى تقع فيها قطعة الأرض.[FirstQuote]
الجدل وصل إلى حد تبادل الاتهامات بين الحكومة و«بدر» ونشطاء وقانونيين وقيادات فلاحية، بعضهم يرى أنها أزمة مفتعلة ولا صحة لوجود أى مخالفة للقانون أو مجاملات، لأن المشروع «حكومى» وسيُقام على أرض حكومية، وأن منافسى «بدر» فى الانتخابات هم من يزكون ذلك الجدل، والبعض الآخر يتساءل عن مصدر سلطة «بدر» كى توافق له الحكومة على طلبه، ويصدر بالموافقة قرار جمهورى، دون أن تنظر الحكومة للعديد من الطلبات التى تخص مشروعات ومطالب مماثلة بالدائرة نفسها، وفى وقت لم يحصل فيه شباب الثورة وأسر الشهداء على نفس المزايا التى يتمكن «بدر» من خلالها من الموافقة على طلباته، وتخصيص أراضٍ باسمه، وما زاد ذلك الجدل، هو أن تخصيص الأرض فى شبين القناطر لإقامة مصنع تغذية مدرسية عليها «بسكويت» يأتى فى وقت تفكر فيه الحكومة فى بيع مصانع «بسكو مصر» الشهيرة لصالح القطاع الخاص، إضافة إلى عدم حاجة المحافظة إلى مصنع «بسكويت مدرسى» لوجود مصنعين بها.
«الوطن» تكشف بالمستندات والأدلة تفاصيل الأزمة التى تشير بشكل واضح إلى «توريط» وزير الزراعة للحكومة، ومن ثم الرئيس، فى قضية مصنع البسكويت بـ«معلومات مضللة ودراسات غير مكتملة» كان من شأنها تغيير القرار الرئاسى بتخصيص أرض المصنع.
وكشف مصدر لـ«الوطن» أن «إصدار القرار الجمهورى، جاء نتيجة لعرض غير أمين على الرئيس من الجهات المعنية بالأمر»، حيث إن «الزراعة» هى التى اقترحت على رئاسة مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية تخصيص الأرض لصالح «بدر»، من خلال العرض غير الأمين عليهما، حيث لم تشر الوزارة فى عرضها الأمر على الرئاسة أن تلك الأرض هى «حقل إرشادى ولا تزال تُقام عليها تجارب زراعية وأبحاث تخدم المزارعين والفلاحين».
وطالب المصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى بضرورة التدخل والتحقيق فى تلك الواقعة، حتى لا يتحمل هو نتائج «العرض غير الأمين من وزارة الزراعة ومحافظة القليوبية ومجلس الوزراء»، خاصة أنهم بذلك ورطوا الرئيس فى قرارات غير مكتملة الدراسة من شأنها إحراجه أمام الرأى العام الذى يتابع تداعيات القضية، ولفت المصدر إلى أن أعضاء الحكومة على علم بحزم الرئيس بشأن الموضوعات «غير مكتملة الدراسة»، وتوجيهه اللوم لوزير الإسكان خلال اجتماعه به عندما سأله عما جرى بشأن التصديق على أمرين لإنشاء محطتى صرف صحى، ورد وزير الإسكان آنذاك بأنه تتم دراسة الموضوع، فكان رد الرئيس عليه «كيف يتم عرض أوراق علينا لم تكتمل دراستها؟».[SecondQuote]
«بدر» ومناصروه فى حركة «تمرد» وحزب الحركة الشعبية العربية «تحت التأسيس» نفوا وجود أى شبهة لإجراءات غير قانونية تشوب الواقعة، وتفسد عليه إنجازه، مبرراً ذلك بأنه خطوة لخدمة أهالى شبين القناطر ومحافظة القليوبية ككل، خاصة أن الأرض المقترحة موجود بها «دورات مياه»، حسب قوله فى أحد البرامج التليفزيونية، وأنه رأى ذلك سبباً رئيسياً فى عدم صلاحية هذه الأرض للزراعة أو الاستفادة منها، متهماً كل من يقول غير ذلك بأنه يسعى إلى تعطيل مصالح الناس.
مسئولو وزارة الزراعة، تحديداً الدكتور على إسماعيل. صاحب اليد العليا فى الوزارة، رئيس قطاع شئون مكتب الوزير، ردد نفس الكلام، وقال إن هناك قراراً جمهورياً منذ شهرين، صدر بـ«ضم الأرض الخاصة بالحقل الإرشادى بمنطقة شبين القناطر بالقليوبية، إلى المنفعة العامة، وتجوز إقامة مصنع محمود بدر عليها، خاصة أنه مصنع تغذية سيخدم أهالى المنطقة وتلاميذ المدارس».
وبغض النظر عن كون وزارة الزراعة هى التى اقترحت على رئاسة مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية تخصيص الأرض لصالح «بدر»، من خلال العرض غير الأمين عليهما، حيث لم تشر الوزارة فى عرضها الأمر على الرئاسة أن تلك الأرض هى «حقل إرشادى ولا تزال تُقام عليها تجارب زراعية وأبحاث تخدم المزارعين والفلاحين»، إلا أن الغريب فى الأمر أن الطريقة التى أشار خلالها «إسماعيل» إلى القرار الجمهورى ظهرت وكأنه أراد أن يبعد التهمة عنه وعن وزارته، ليلقى بها على مؤسسة «الرئاسة» وأنها وحدها التى فعلت ذلك، لكن هذه الدهشة سرعان ما تزول إذا راجعنا لقاءات «إسماعيل» على فضائية «الحافظ» قبل ثورة 30 يونيو، والتى تكشف دعمه لنظام الإخوان أثناء فترة حكم محمد مرسى.
الطرف الآخر الذى لم يسلم من الاتهامات بأنه يقف ضد مصلحة أهالى دائرة «بدر»، يقف فيه الحاج محمد فرج رئيس اتحاد الفلاحين، الذى كان له دور كبير فى حملة الرئيس عبدالفتاح السيسى، وهو الذى فجر القضية خلال لقاء له على قناة «صدى البلد»، حيث أشار إلى أن جهاز حماية الأراضى يمنع إقامة أى مصنع على الأرض الزراعية، ورغم ذلك صدر قرار جمهورى بتخصيص قطعة أرض «حقل إرشادى» فى شبين القناطر لمصلحة محمود بدر، وإقامة مصنع عليها، لافتاً إلى أن الفلاحين يعانون كثيراً فى الدولة، ولا أحد ينظر إليهم بعين الرحمة، رغم أنهم مستعدون للتضحية من أجل بناء الوطن، ويتعرضون لضغوط كثيرة منها زيادة أسعار كل المستلزمات الخاصة بالعملية الزراعية.
مصدر داخل مكتب وزير الزراعة طلب عدم ذكر اسمه، خشية التنكيل به، مثلما حدث مع الدكتور أشرف الغنام رئيس قطاع الإرشاد، وأيضاً المستشار القانونى السابق للجنة الحقول الإرشادية، وكذلك المستشار عيد البيومى المستشار القانونى السابق للوزير، بسبب اعتراضهم على تخصيص الأرض، ورفضهم صدور قرار اللجنة بالتخصيص، وهو الأمر المثبت بمحاضر انعقاد اللجنة. وقال المصدر إنه حسب قرار اللجنة فإن الأرض غير مخصصة للبيع وفقاً للقرار الجمهورى رقم 537 لعام 1983 والذى ينص على أن «أراضى الحقول الإرشادية التابعة لوزارة الزراعة والتى لم تعد مخصصة لتحقيق الغرض المخصصة له يزال تخصيصها من المنفعة العامة»، مشيراً إلى أن اللجنة اعتبرت تلك المساحة التى طلب «بدر» تخصيصها ما زالت صالحة للزراعة، وهناك قرار يقضى بتخصيص ناتج بيع أراضى الحقول الإرشادية لشراء أراضٍ أخرى بديلة وليس إقامة مشروعات النفع العام.[ThirdQuote]
وفجر المصدر مفاجأة أن تلك الأرض عليها نزاع قضائى بالدعوى رقم 13 لسنة 2003 المرفوعة من ورثة المدعو «حسين غالب رشدى» ضد وزير الزراعة بعودة الأرض لملكيتهم بعد أن جرى نزعها فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر عام 1958، وهو الأمر الذى يحول دون تخصيصها لأى غرض آخر، مما يمثل ثغرة قانونية فى قرار الرئيس لاسترداد ورثة «رشدى» تلك الأرض، إذا جرى بناء مصنع عليها.
وقال مصدر آخر بمديرية الزراعة بالقليوبية إن تصريحات «بدر» الخاصة بأن الأرض بها «دورات مياه عمومية» لا أساس له من الصحة، وأن تلك الأرض جرى تخصيصها مؤخراً لزراعة أصناف جديدة من محصول «البرسيم»، ويجرى صرف كافة مستلزمات الإنتاج الخاصة بها من وزارة الزراعة، لافتاً إلى أن الموسم الماضى تمت زراعة الأرض بصنف من محصول القمح، بطريقة الزراعة على «المصاطب» التى توفر المياه ومستلزمات الإنتاج، فضلاً عن الإنتاجية العالية التى تحققها تلك الطريقة فى الزراعة، والمحصول يجرى بيعه فى نهاية الموسم بطريقة المزايدات العلنية.
وتابع المصدر أن قرار الدكتور على إسماعيل رئيس قطاع شئون مكتب الوزير بنقل اختصاصات شئون المديريات من قطاع الخدمات لتكون تابعة له، جاء تمهيداً لتلك الخطوة واستكمالاً لخطة القضاء على الزراعة وإضعاف قيمة البحث العلمى الزراعى، وما يستتبع ذلك من إهدار المال العام، لأنه لم يستفد من الأرض وأهدر قيمتها.
وأضاف المصدر أن تلك المساحة البالغة 5 أفدنة ونصف جرى تقديرها بمبلغ 10 آلاف جنيه للمتر الواحد، أى بنحو 84 مليون جنيه لمساحة «الفدانين»، ولم تتم الإشارة إلى المعاملة المالية للأرض فى القرار بأى شكل، وتساءل عن طبيعة العلاقة بين «بدر» وعلى إسماعيل ومحافظ القليوبية المهندس محمد عبدالظاهر الذى يدعم «بدر» وسبق أن كرمه وعدداً من شباب حركة «تمرد» بالقليوبية فى ديوان عام المحافظة، بعد ثورة 30 يونيو، وبرر قرار تخصيص الأرض بالقول إن «الشخصيات العامة مثل بدر تنقل نبض الشارع المصرى».
واستنكر أحد المسئولين بالمشروع الخدمى لتغذية المدارس سرعة اتخاذ الإجراءات لبناء مصنع فى شبين القناطر، موضحاً أن القليوبية بها مصنعان لإنتاج الوجبات المدرسية؛ الأول فى «شلقان» والثانى بالمنطقة الصناعية، ضمن 16 مصنعاً هى إجمالى قوة المشروع، والمتبع أن يجرى تخصيص الأرض من المحافظة لصالح الوزارة وليس العكس، وأن إنتاج المصنعين يكفى لتغطية مدارس المحافظة، ويغطى بعض المناطق والمحافظات الأخرى، وهو ما يعنى عدم حاجة المحافظة لمصنع ثالث.
واستطرد قائلاً إن «المصنع يحتاج من 12 إلى 17 قيراطاً فقط على الأكثر، كمساحة لإنشائه كما هو متبع فى جميع مصانع تغذية المدارس على مستوى الجمهورية باستثناء المصنع الرئيسى بمدينة السلام بمحافظة القاهرة والمقام على مساحة فدانين، متسائلاً لماذا يتم تخصيص مساحة 5 فدادين ونصف منها فدانان لصالح المصنع، لمصلحة محمود بدر، ولماذا لم يتم تخصيص المساحة فى أى مدينة أو منطقة أخرى غير زراعية، إلا إذا كان الأمر فعلاً خاصاً بمصالح انتخابية، حيث تتوافر المساحات الأخرى التابعة للمحافظة».
وقال المسئول بـ«تغذية المدارس» إن العام الماضى جرى الاتفاق على إنشاء مصنع بمنطقة حلايب وشلاتين لخدمة الطلاب هناك، ومن المقرر أن يغطى إنتاج المصنع إرسال وجبات للطلاب السودانيين، ما يغرس لديهم قيم الانتماء والروح العربية، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن لم يتحرك المسئولون فى اتخاذ أى إجراء لبناء المصنع هناك رغم أهميته، فضلاً عن مصنع قنا والذى جرى تخصيص الأرض له بالفعل، وجرى صب قواعده، ثم توقف العمل به، وهما مصنعان فى غاية الأهمية لأنهما سيغطيان قطاعاً كبيراً لا تصله التغذية المدرسية، بينما جرى التحرك لإنشاء مصنع لمصلحة «بدر» وتيسير الإجراءات له بطريقة مريبة.
وقال مصدر مطلع بوزارة الزراعة إنها ليست المرة الأولى التى يسهل فيها الدكتور عادل البلتاجى التعدى على الأراضى الزراعية، مستشهداً بالضغوط التى مارسها الوزير على إدارة حماية الأراضى ولجان المتابعة لإنهاء أزمة أرضه التى تعدى عليها هو وعائلته بمسقط رأسه بالغربية، لبناء سور حول الأرض، الأمر الذى لم يجر السماح به لكثير ممن جرى التعدى على أرضهم، لكنه فى موقع السلطة حالياً التى تسمح له بكسر القاعدة والاستثناء عنها.
ولم يستبعد المصدر أن يكون «البلتاجى» طلب من «بدر» خلال لقائه التوسط له بمؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء للإبقاء عليه بالوزارة، خاصة بعد الأصوات التى تعالت بإقالته بعد ما ظهر من سوء إدارته للوزارة وقراراته الأخيرة المتخبطة، معتمداً على ما يردده «بدر» بشكل دائم بأنه مقرب من النظام والحكومة ودائم التردد على مكاتب الوزراء.
صورة من رد رئيس قطاع الإرشاد الزراعى بعدم جواز تخصيص الأرض لأفراد أو أحزاب
صورة من أوراق الدعوى القضائية المرفوعة على وزير الزراعة بشأن الأرض