«ولا أى اندهاشة» أسلوب حياة المصريين الجدد

كتب: رحاب لؤى

«ولا أى اندهاشة» أسلوب حياة المصريين الجدد

«ولا أى اندهاشة» أسلوب حياة المصريين الجدد

كانت البداية مع اليوم الأول من العام، حيث تصاعدت أزمة بدت عنيفة بين الناشط أحمد سبايدر، المؤيد للرئيس الأسبق حسنى مبارك، والدمية الناطقة «أبلة فاهيتا»، معركة كلامية بدت مثيرة للسخرية، والضحك بين الناس، لكنها سرعان ما انقلبت إلى «جد» حين طلب النائب العام المصرى استدعاء الشخصية الكارتونية للتحقيق معها، ليتابع المصريون أول مناظرة تليفزيونية فى التاريخ على الهواء مباشرة بين إحدى الدميات، وأحد الناشطين! لم تكد السخرية تهدأ حتى ظهرت أخبار «الطيور الجاسوسية»، بعد «إلقاء القبض» على حمامة زاجلة فى قنا تحمل ما يسمى «رسالة غامضة»، كتب محمود الشريف، أحد نشطاء الـ«فيس بوك»، على صفحته: «تم تسليم الحمامة الجاسوسة للشرطة، وسينتهى بها الحال محشية بالفريك عقاباً لها على الخيانة». فى فبراير بدأت أنباء «القفص الزجاجى» فى الظهور، البعض تندر على الأمر، متسائلاً: «ودول متهمين ولا سمك»، لكن الكوميديا لم تلبث أن تصاعدت خلال الجلسات المتتالية لمحاكمة الرئيس المعزول محمد مرسى، من خلف القفص المذكور. لم تتوقف الأخبار العجيبة لحظة خلال «عام الغرائب»، وكان أبرزها «محاكمة الأموات» التى استمرت على مدار العام، تارة يصدر حكم بحق عثمان أحمد عثمان، مؤسس المقاولون العرب المتوفى عام 1999، بالحبس 3 أشهر وكفالة 300 جنيه، وتارة أخرى يحال فيها الراحل محمد يسرى سلامة، أحد مؤسسى حزب الدستور، إلى المحاكمة مع آخرين! ووصلت «العبثية الكوميدية» إلى مداها خلال امتحانات الثانوية العامة التى شهدت بثاً مباشراً للإجابات لحظة بلحظة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، برغم كل محاولات الوزارة السيطرة على الأمر.. «الحفاضات هى الطريقة الوحيدة لمنع تسريبات الثانوية العامة»، قالها عبدالله الصعيدى، على حسابه الخاص. حالة مستمرة من عدم الاستقرار عاشها المصريون خلال 12 شهراً، خصوصاً مع إصرار الحكومة على إعادة التوقيت الصيفى، الذى تم تعطيله فى شهر رمضان ليعاد العمل به بعدها، التخبط لأربع مرات فى عام واحد عاشه المواطن دفع «خالد» لطرح اقتراح على الحكومة: «بدل ما الحكومة محتارة فى التوقيت الصيفى والشتوى وساعة تروح وساعة تيجى، أقترح نقدم الساعة نص ساعة ونثبتها طول السنة، وممكن نسميه التوقيت الخريفى». الفرحة بقناة السويس لم تلبث أن تعكرت، بسبب تصميم طابع بريد يضم صورة لقناة «بنما» على أنها القناة المصرية الجديدة المنتظرة، مهزلة أعقبتها مهزلة أخرى، حين فوجئ المصريون بخروج هرم سقارة من التصنيف العالمى بسبب الترميم الخاطئ وسط أنباء عن سقوطه قريباً! سوسن بشير قالت على صفحتها: «بيقولك كنا خايفين المتطرفين الإسلاميين يفجروا هرم مثلاً، قامت وزارة الآثار المصرية جات ترمم هرم سقارة بوظته وأخرجته خارج التراث العالمى». قال الدكتور يسرى عبدالمحسن، أستاذ الطب النفسى بجامعة القاهرة: «للأسف الشديد هناك حالة تفكك فى المجتمع وتناقضات لا نهائية، سياسية واجتماعية وثقافية، فضلاً عن العشوائية والتخبط فى القرارات، وكم الإحباط والتوتر والحزن الذى أصبح يلازم المواطن المصرى فى السنوات الأخيرة، مع هذا كله لا يمكننا أن نتعجب ونضحك من الأخبار التى تحدث مع كل يوم جديد، فهى مبكية جداً». «عبدالمحسن» ربط بين الأخبار الغريبة المتواترة على مدار العام، والحالة المسيطرة على المواطنين والمسئولين معاً، التى وصفها بـ«عدم وضوح الرؤية»، قائلاً: «من الطبيعى جداً أن نرى هذا الكم من التفكك والانفلات، سواء كان أمنياً أو أخلاقياً نفسياً، وأن تظهر الغرائب والعجائب، فالطفيليات تنمو حين تكون الزراعة غير ناضجة وحين تكون هناك عشوائية فى فلاحة الأرض، ما نراه هو طفيليات فكرية واجتماعية وثقافية تنمو فى وسط غابة من عشوائية التفكير والسلوك واتخاذ القرار». السخرية اللاذعة التى يستقبل بها المصريون الأخبار اليومية، ليست رد فعل طيباً ومطمئناً، بحسب «عبدالمحسن»، يقول: «المسألة تبدأ بالسخرية ثم تتحول إلى حالة دائمة من عدم الثقة والتصديق لأى خبر جديد، ثم يتطور الأمر لحالة من عدم الالتزام، وعدم الجدية، والإهمال والتسيب فى أداء الواجب، باعتبارنا فى بلد العجائب، والنتيجة النهائية تأخر واضح فى النمو والتقدم، والرجوع خطوات عديدة إلى الخلف». فى سياق متصل، يتساءل الدكتور محمود أبوالعزائم، استشارى الطب النفسى: «لماذا يتعجب المسئولون من حالة البلبلة واللامبالاة وعدم الالتزام السائد فى المجتمع؟ فانعدام المنطقية فى أغلب الأنباء الواردة للمواطن المصرى، يفقده الثقة فى المسئولين ويشيع حالة من اللامبالاة فى المجتمع، الأمر الذى يترتب عليه انعدام المصداقية والتواصل بينه وبين القائمين على أمر البلاد، وعلى السلطة الحاكمة ضبط أداء وسائل الإعلام المختلفة. «مثل هذه الأنباء والموضوعات غير المنطقية تبرز حالات المرض النفسى المستترة وتجعلها عرضة للزيادة المطردة»، تتحدث دكتورة هناء أبوشهبة، أستاذة علم النفس بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر، وأضافت أن المتلقى يكون فى هذه الحالة أحد نوعين: الأول هو الإنسان الطبيعى الذى يمتلك من التحمل وقوة الإيمان ما يجعله يتحمل سماع هذه الأخبار ويتعامل معها بطريقة طبيعية فيدقق فى مصدرها وحقيقتها، ويخضعها للعقل والمنطق، ويقبلها أو يرفضها، أما الثانى فهو الإنسان المريض نفسياً، أو المهيأ للأمراض النفسية، كالتوتر والاكتئاب: «بلا شك ستنتابه أعراض القلق والحزن والاكتئاب، وييأس من الدنيا ويتطور الأمر لاحقاً إلى التخلص من ذاته بالانتحار أو بالبحث عن وسيلة للسفر خارج البلاد، سواء شرعية أو غير شرعية».