9 أطفال من «أوائل العالم» فى الرياضيات: أنقذونا من المدارس الكئيبة
يتمتعون بقدرات ذهنية فائقة، وبإمكانهم حل مئات المسائل الحسابية فى دقائق معدودة، هذا ما أكدته نتيجة المسابقة العالمية للرياضيات الذهنية 2014 التى شارك بها أطفال من جميع أنحاء العالم، فى سنغافورة، وحصل خلالها تسعة من الأطفال المصريين على مراكز متنوعة.
الأطفال التسعة الذين يقضون عطلاتهم بمركز IMA لتنمية الذكاء العقلى عند الأطفال، لا يشعرون بالملل نفسه، يؤكدون أن وجودهم معاً فى مكان يقدر قدراتهم الذهنية يشعرهم بحال أفضل وقدرة ولو بسيطة على مواصلة الدراسة العادية.
قدراتهم العقلية وذكاؤهم المعترف به دولياً لم يكن شفيعاً لهم بمدارسهم فى مصر، البعض تصور أن تفوقهم سيوفر عليهم الكثير من عناء العملية التعليمية، سيجعل المناهج المصرية مسألة تافهة بالنسبة لهم، لكن العكس بدا صحيحاً، فمع كل تفوق أحرزوه فى مسابقات داخل مصر وخارجها ازداد شعورهم بالأزمة التى يعانونها هم وزملاؤهم داخل فصول الدراسة.
زايد على، فى الصف الرابع الابتدائى بإحدى مدارس اللغات، له رأى خاص جداً فى مدرسته: «الواحد بيبقى رايح الصبح كارهها مش طايقها» بداية غير طيبة ليوم الطالب الحاصل على المركز السابع على العالم: «أول ما دخلت المدرسة كنت فرحان، كنت فاكرها لطيفة، لكن سنة ورا سنة كرهتها، الأساتذة عندنا بيضربوا الطلبة بحديدة بدل الخرزانة، آخر مرة اتضربت بيها إيدى اتعورت».
يعترف الصغير ابن السنوات التسع بكواليس خاصة تحكم علاقته وزملائه بالأساتذة فى الفصل: «الأستاذ بيدينا واجبات كتيرة جداً، وبيوقفنا وشنا للحيطة على طول، ومش بيسمعنا، عشان كدا لما بيخرج برا الفصل لأى سبب بخرج أنا وزمايلى نمسح الكلام اللى على السبورة، ونقعد نتنطط ونتشقلب، لما بيدخل بيغضب ويضربنا».
«زايد» الذى نجح فى حل 165 مسألة فى خمس دقائق فقط يكره مادتى الإنجليزى والعربى بشدة، ويحب الحساب والعلوم: «عشان بيخلونا نعمل تجارب ونشوف المعمل».
سبع سنوات فقط هى مجموع عمر مهند مرسى، الحاصل على المركز الخامس عشر فى المسابقة على العالم، يدرس فى إحدى مدارس اللغات بالمهندسين فى عامه الثانى الابتدائى، ملامحه هادئة وتركيزه شديد، لخص رسالته فى رفضه «الظلم».. الصغير المتفوق مر بأزمة تبدو تافهة لكنه يراها كبيرة للغاية: «أنا بحب المدرسة، بس أكتر حاجة بتزعلنى وتخوفنى لما زميل ليا يضربنى ومحدش يعاقبه ولو جيت أضربه يبقى كدا غلط».. طريقة تربوية مختلة رصدها مهند وتمنى لو أن هناك عناية أكبر بالصغار وعدالة فى المعاملة.
«بحب كل المواد، وبلتضايق من الواجبات الرخمة شوية صغيرين».. يتأمل «مهند» مدير مدرسته باستمرار، انطباعه الأساسى عنه: «لما حد بيتشاقى بيرفده» يتخيل نفسه أحياناً مكانه: «لو بقيت مدير هادّى الناس رفد!».
عيون تتقد بالذكاء، وفم مطبق أغلب الوقت، لا يثرثر الطفل محمد عرابى كثيراً، عمره سبع سنوات، ويدرس فى عامه الثانى الابتدائى، فى إحدى مدارس اللغات بمنطقة الشيخ زايد، رغم كلماته القليلة للغاية فإن شعوره تجاه مدرسته خرج واضحاً بلا لبس أو تردد: «ولا حاجة بحبها فى المدرسة».. موقف يملك الصغير تفسيره بكلمات أكثر وضوحاً: «عشان بيعاقبونى وبيخبطوا وشى فى الحيطة» العقاب الذى يكون عادة بسبب تقصير الصغير فى إنجاز الواجب يقبع خلفه سر خاص: «مش بشوف السبورة كويس، قاعد فى آخر الفصل، لو قعدت قدام بتلّج من التكييف ولو قعدت ورا مش بشوف ومش بعرف أنقل الواجب».. حاول محمد إخبار أساتذته أكثر من مرة بمشكلته الصغيرة لكن دون جدوى: «مش بيسمعنى، بحاول أتكلم مش بيرد عليّا، ولو قمت عشان أكلمه بيفتكرنى هتشاقى يقول لى اقعد مكانك، مرة قُلت له عاوز أقول حاجة قال لى مش عاوز أسمع حاجة».
تعامل عنيف مشبع بالتجاهل مع الصغير الخجول الذى يقرر بين الحين والآخر الخروج عن خجله لينتقم: «بضايق المدرسين فى الفصل، لما بيخرج يشرب شاى بطلع أمسح المكتوب على السبورة».
«أقسم بالله لو مجيتش فى البيت هاوريك».. تكاد تكون تلك هى الجملة الوحيدة التى يتذكرها عبدالرحمن حسين، الطالب فى الصف الخامس الابتدائى عن مدرّسته التى تتوعده كلما رأته كى ينضم لمجموعة الدرس الخصوصى فى بيتها.[SecondImage]
نبرتها المشددة، وصوتها المصمم، تجعل الصغير غير مستوعب: «كرهت العربى بسببها، صحيح بتشرح كويس لكن بتزعق جامد جداً، الدراسات كمان مادة وحشة أوى كلها حاجات صعبة وكتيرة».
الطفل الذى استطاع حل 193 مسألة فى دقائق معدودة يتمنى أن يصبح طياراً فى المستقبل، ويتمنى أيضاً لو أن كل المواد التى يدرسها رياضيات فقط.
كثير الحركة والكلام والسخرية من نفسه وزملائه ومدرسيه ومدرسته، هكذا هو الحال مع الطفل مهند سامر ابن الثمانى سنوات، لا يطيق الطالب المتفوق الحديث عن مدرسته: «بكره كل حاجة فيها.. بتضيع وقتى، كل الميسات أسلوبهم وحش، قبل كده وقفونا فى البريك كله على رجلينا، المناهج رخمة، المدرسين بيزعقوا لدرجة أن صوتهم ممكن يوصل بلد تانية».
الرابع على العالم، إسماعيل أحمد، يدرس فى الصف الخامس الابتدائى، ويمتلك الكثير من التفاصيل التى تكشف سر فساد العملية التعليمية فى مصر: «كنت هابقى غبى لو مكنتش بدرس فى الإجازة مادة بحبها، طريقة التدريس وحشة، وبتخلى زمايلى يتغيروا».. يستشهد الصغير على زميل له: «كان هادى وطبيعى لكن مع الوقت والمعاملة فى المدرسة بقى بلطجى وسخيف بيضرب زمايله ويقنع ميس الفرنساوى أنها تسميه الكينج».
يتمنى «إسماعيل» لو تختفى كلمات من الوجود مثل «واجبات، امتحانات، تقارير»، يرى أن كثيراً من التكليفات التى يتم تكليفهم بإنهائها فى البيت لا تضيف لهم جديداً سوى المزيد من الوقت الضائع، الأنشطة أيضاً بها أزمات: «هتلعب غصب عنك وإلا هتترفد».. جملة تذكرها إسماعيل بالنص، قيلت له من مدرس الألعاب حين اعترض على لعب الكرة وأراد اختيار لعبة أخرى ليلعبها: «إزاى ألعب لعبة مش عاوزها؟».
«إسماعيل» كان البطل الأول فى مسابقة أخرى تمت على مستوى مصر بين 600 متسابق: «فى المدرسة القانون واضح، لو انت مش شاطر، المدرس هيكرهك ولو كرهك هتكره المدرسة أكتر والمواد، سلسلة فشل مش بتنتهى».
ترى رؤى هانى، الطالبة بالصف الأول الإعدادى، أن العنصر البشرى هو الأهم فى عالم المدرسة: «الحاجة اللى بتخلينى عاوزة أروح المدرسة صحابى وبعض المدرسين».. بصراحة تعترف الطالبة ابنة الـ12 عاماً مؤكدة: «محتاجين يكون فى حرية وتفهم أكبر لينا، أستاذة الدين فهمت ده، لما بتدخل بتدينا مساحة وقت بسيطة فى أول الحصة نعمل فيها ما بدالنا، ناكل، نشرب، نتكلم، المهم نخلص فى الوقت المحدد عشان نبدأ الحصة».
تتمنى «رؤى» لو أن المناهج تتحسن قليلاً: «نفسى يحترموا عقولنا، ومانبقاش خاضعين للظروف السياسية» تضرب مثلاً بدرس عن ثورة 25 يناير: «لغوا الدرس مع إننا كنا متشوقين ندرسه ونعرف بيقول إيه، على اعتبار إنها الحدث الوحيد اللى عاصرناه ومذاكرته كانت هاتبقى سهلة علينا، لكن إحنا طول الوقت تحت رحمة الأحداث سواء فى الحضور أو الانصراف أو المناهج الملغاة والمقررة».
الأمثلة لا تنتهى عند «رؤى»، الثانية على العالم، ولا عند زميلتها جنى شريف الحائزة على المركز الـ13: «كل حاجة بندرسها تقليدية، وأسلوب تدريسها ممل، نفسى أسأل اللى حاطين منهج الدراسات لابتدائى إيه وجه الاستفادة اللى بيعود علينا؟ وأسأل اللى حط منهج العربى ليه تقيل كده وصعب؟ ليه ندرس قصة زى «عقبة ابن نافع»، مملة جداً وقديمة، ليه مفيش روايات حلوة؟ ليه يوم الامتحان يتعاملوا معانا على إننا آليين، ممكن نقدر نحل مادتين زى العربى والدراسات فى يوم واحد».. وجهة نظر ذكّرَت إسماعيل وعبدالرحمن بقصة «عقلة الإصبع» وأناشيد كتاب العربى فقال: «يعنى إيه نشيد اسمه ما أحلى أجواء القرية؟ ولا درس الكهرباء فى حياتنا، قصة ساذجة جداً عشان نتعلم أهمية الكهرباء وقصتها، ومنهج الكمبيوتر مكرر ومعاد ومفيهوش أى إفادة، وكله كوم و«عقلة الإصبع» كوم تانى، من الأول عارفين إنه بيحلم، القصة تافهة جداً، وفيها استهتار بينا، محدش فاهم دماغنا». «رؤى» و«جنى» كان لديهما تصور خاص لطريقة التدريس النموذجية: «معظم الطلبة عندهم مشاكل مع السبورة، يا إما قريبين جدا أو بعيدين جداً مش شايفين، الحل الوحيد إننا نستغنى عن السبورة، والسمارت بورد، المفروض ندخل مرحلة التابات ويكون التعامل من خلالها، يعنى كل طالب يكون جهازه فى إيده مش محتاج يبص على بُعد كام متر عشان يشوف المكتوب على السبورة».