«الوطن» ترصد الأجواء الاحتفالية بـ«رأس السنة» على كورنيش النيل
بالقرب من كوبرى قصر النيل بالقاهرة، أسفل تمثال سعد زغلول الواقف مشيراً بسبابته إلى العابرين من شرق العاصمة إلى غربها، وفى تمام الساعة الحادية عشرة مساءً، فى ليلة رأس السنة، وقف أربعة من الشباب، أحدهم يرتدى قناعاً وفى يمينه «طبلة»، وآخر يرتدى «طاقية» بابا نويل المضيئة وبين راحتيه «دف»، وبين هذا وذاك يجلس اثنان يغنيان، ومن حولهم التف المارون يصفقون ويتراقصون، وبقية المرابطين ما بين متسلق لتمثال الزعيم لالتقاط صورة بداية العام، وآخرين يتبادلون الأمنيات السعيدة بالعام الجديد، والابتسامة تعلو كل الوجوه.
«إسلام» و«حمادة» و«أحمد» و«حسنى»، أصدقاء اعتادوا أن يحملوا «الدف» و«الطبلة»، كل عام، ليستقبلوا العام الجديد بمنطقة وسط البلد، خرجوا من حى «منشية ناصر» حيث يسكنون، واتجهوا نحو ميدان الأوبرا، ومنه إلى وسط البلد، يغنون ويرقصون: «إحنا صحاب وبنتجمع فى كل مناسبة، نستمتع بالجو ونغنى ونرقص، وربنا يجعلها سنة سعيدة علينا».[SecondImage]
«حمادة» (25 عاماً)، الشهير بـ«بسبوسة»، هكذا يناديه رفاقه، يرتدى قناعاً ملوناً، يغطى وجهه الأسمر، يعمل بأحد محلات العطارة: «الطبلة دى هوايتى، ومن وأنا عندى سبع سنين بعرف أطبل، ما فيش فرح ولا مناسبة ولا عيد إلا لازم تكون معايا.. بلم الناس بيها وباشوف الفرحة فى عنيهم»، وإلى جانبه «إسلام» صديقه (24 عاماً)، يعمل بورشة «خراطة»، مبتسماً: «مش بنزل بالدف غير ليلة رأس السنة، واتعلمتها من حمادة».
لم يخرج «حمادة» و«إسلام» بالطبلة والدف فقط فى الاحتفالات بل اعتادا الوجود هناك باستمرار بوسط البلد منذ مظاهرات 30 يونيو لإسقاط الرئيس المعزول، فلا يتركان مناسبة دون الوجود هناك ليلتف المارون حولهما فى سعادة: «بنحب لمة الناس حوالينا، بنحب نشوف الفرحة فى عيون الناس، بتهوّن علينا تعب الشغل»، ورغم حبهما للطبل والدف فإنهما يرفضان امتهانهما: «مش بتأكّل عيش وديه حاجة بنحبها، هواية وبس».
على مبعدة من جلسة الأصدقاء الأربعة، ترنو «ملك»، الفتاة ذات الأعوام العشرة للشباب وهم يتراقصون، بشعرها الأصفر المنسدل، وعيونها العسلية، تجلس إلى جوار والدها «حاتم حسنى»، ضابط جيش على المعاش، بقامته الطويلة، وشعره الخفيف، وتجاعيد وجهه، يخرج ليلة رأس السنة مصطحباً عائلته: «بعزمهم على العشا فى أى مطعم ونيجى نقضى ليلة رأس السنة فى وسط الناس فى التحرير»، فالرجل يداوم على الوجود بالتحرير منذ مشاركته فى ثورة 25 يناير: «الميدان بيجمع كل المصريين.. هو بالنسبة لنا مكان الفرحة، مكان ثورة الشعب على القهر والفساد».[FirstQuote]
«اليوم ده يوم الشارع»، يقولها «حسنى» منفرج الأسارير، ويستطرد: «بنبقى عايزين نشوف الناس والناس تشوفنا، ونشوف فرحتهم»، فالرجل العسكرى المواظب على التقاليد العسكرية وفى مقدمتها النوم مبكراً، يضطر ليلة رأس السنة أن يضرب بتلك العادة عرض الحائط، ويستمر مع عائلته حتى الفجر بين الناس فى التحرير: «بحب أتعايش مع الناس فى أول سنة جديدة، بحب أشوف الفرحة، عشان نتفاءل باللى جاى».
إلى جانب حسنى، تجلس «داليا فؤاد» زوجته، بملابسها الأنيقة، فى كامل زينتها، هى المرة الأولى التى تخرج بصحبة زوجها للتحرير، فحسب روايتها، ترفض الخروج معه إلى هناك دوما: «ما كانتش الدنيا أمان وبحب أقضى ليلة راس السنة فى البيت»، ولكن تلك السنة كانت مختلفة فاختفى شعورها بالخوف الذى طالما لازمها منذ الثورة: «الدنيا بقيت أمان، والناس عايزة تفرح»، يقاطعها زوجها مازحاً: «دى بتحب البيت مش عايزة تخرج منه»، تضحك الزوجة، وتقول بابتسامة عريضة: «أنا اللى شجعته ينزل السنة دى، كان كسلان، وأدينا فى الشارع».
بين أقدام الأسد الرابض لحراسة النهر العظيم، وقف البعض يلتقط الصور التذكارية، مرتدين «الطراطير»، ومن خلفهم وعلى مدخل الكوبرى الذى يضج بالزائرين المتسكعين على أطرافه، يرمقون مياه النيل ومن حولهم الباعة الجائلون.. ترتفع أصوات الأغانى الشعبية والمهرجانات من سماعات الدراجات البخارية التى تركن إلى جانب الرصيف، ومن حولها يلتف الشباب فى دوائر يتراقصون.[ThirdImage]
ومن بين الأجساد المتراصة المتخبطة على «كوبرى قصر النيل»، ظهرت مسيرة تحمل الزهور، يرتدى بعض المشاركين فيها ملابس بابا نويل، وفى أيديهم الدفوف وبعض الطبول، وعلى رؤوسهم أطواق من الورود، يوزعون الهدايا على المارة، مرددين «الترانيم» الكنسية، ومن خلفهم بعض الصبية، يحاولون التحرش بالفتيات المشاركات، فتوقفوا برهة، حاولوا إبعادهم برفق ولين، ثم بخشونة، وفى النهاية تفرقوا حتى لا يتركوا المساحة للمتحرشين بإفساد تلك المحاولة الاحتفالية بالسنة الجديدة.
كان «سامر عماد» (27 عاماً) يتقدم المسيرة، ويقول بتحفظ شديد: «إحنا بنحتفل بالسنة الجديدة فى الشارع بدل الكنيسة، جوه مكان مقفول قُلنا ننزل نحتفل»، فالشاب يردد فى مقدمة المسيرة الترانيم ومن خلفه زملاؤه ينشدون فى وقار وهدوء، ويعزفون على الجيتار، ويدقون على بعض الطبول والدفوف: «إحنا صحاب وبننتمى لكنيسة واحدة، وحبينا ننزل نحتفل بره الكنيسة وبشكل جديد، بس الظروف ما ساعدتناش».
تحرك «عماد» ورفاقه من منطقة الزمالك، مستمرين فى ترديد الترانيم حتى كوبرى قصر النيل، وحين ظهر بعض الصبية محاولين التحرش بالفتيات توقفت المسيرة، وبالقرب من نهاية الكوبرى تفرقت المجموعة، وتبقى ما يعد على أصابع اليد الواحدة غاضبين، ممتعضين، ووقف إيهاب ألفى (45 عاماً)، الذى يعمل بنادى وادى دجلة، يقول لـ«الوطن»: «إن قرار الخروج للاحتفال بين الناس فى الشارع هو البعد عن الاحتفالات التقليدية، وتحدى الخوف فى المقام الأول.. قررنا نبعد عن الحراسات والكنائس وننقل الاحتفالات التى تتم داخلها للشارع دون خوف؛ عايزين نكسر الخوف قبل أى حاجة نقول إن ربنا معانا».
وعندما وصلت عقارب الساعة إلى الثانية عشرة (منتصف الليل)، وقف الجميع فى انتظار أولى لحظات العام الجديد على كوبرى قصر النيل، وعيونهم معلقة بالألعاب النارية التى انطلقت فى سماء القاهرة، لترسم مشهداً احتفالياً تزيّنه مياه النهر، وسماء القاهرة، وأضواء المراكب النيلية، وزينة الفنادق الشاهقة التى ترتفع فى بهاء وأناقة مفرطة، الجميع وقف وأعناقهم مرفوعة إلى السماء. وسط المحتفلين والمحبين والمتحرشين على أسوار الكوبرى، يجلس «كريم محمد» (17 عاماً) على الأرض، وبين يديه جوال ممتلئ بـ«طراطير» بابا نويل المضيئة، وفوق شعره الأشعث واحد منهم.. الشاب الأسمر ذو الوجه الممتلئ، خرج من منطقته بـ«أبوقتادة» لهدف آخر.. لا للاحتفال ولكن ليبيع تلك البضاعة ليساعد والده فى مصاريف الدروس الخصوصية، فالرجل يعمل فى مطعم «فول وطعمية» ولا يقوى عليها وحده: «أنا فى ثانوية عامة وأبويا بيدفع كل شهر فلوس قد كده، وأنا حبيت أساعده قُلت أنزل فى يوم زى ده عشان أجيب قرش»، فالشاب الذى حضر منذ ساعتين يتمنى أن يجمع من الأموال ما يفى بالغرض الذى خرج من أجله: «دى أول مرة أشتغل فيها أو أنزل أبيع حاجة على كوبرى قصر النيل وربنا يستر».