يواعد القدر فئة من البشر بسحب النور من عينيهم، لكنه يخبأ لهم بعد عسرهم يسرًا، هدية ساقها لهم عبر بطل يخترع نقاطا بارزة تظهر على أوراقٍ ناصعة البياض، تطوف بها أصابعهم فتصول وتجول مكتشفة كل لغات العالم، تستحق تلك الثقوب البارزة أن تكون أحرفا من نور تتلألأ تحت أصابع المكفوفين.
لويس برايل، ذلك الطفل الذي جاد بأنفاسه الأولى في 4 يناير من عام 1809 في كوبفراي، بالقرب من باريس.
قضى برايل، 3 سنوات من عمره طفلا يشاهد الدنيا ولا يخشى ظلامها، إلا أن شاء القدر أن يفقد عينه اليمني، في مشغل أبيه الحداد، حيث أصابتها سكين أفقدتها القدرة على الإبصار، ثم يفقد عينه الأخرى، ليتركاه عيناه وحده يواجه ظلمات لا تنتهي.
لم يستسلم الطفل الذي فقد بصره لعاهته، قرر أن يلتحق بإحدى المدارس، في عمر 5 سنوات، ليحفظ حروف اللغة والأرقام الحسابية دون أن يعرف أشكالها، إلا أن أحد معلميه قرر إلحاقه بمدرسة خاصة للأطفال المكفوفين فقط، ليصطدم الطفل بمحاولات كثيرة لتعليمه الكتابة، إحداها حفر حروف الكتابة العادية بشكل معكوس على ورق سميك بواسطة ريشة حديدية ليتمكن المبصر والكفيف من قراءتها وكتابتها في آنٍ واحد.
تعلم برايل، طريقة الكتابة بسرعة بالغة، واستطاع أن يصل إلى كافة الكتب المكتوبة بتلك الطريقة، رغم صعوبتها، قبل أن يتم الـ16 عام، في سبيل تعطشه للمعرفة.
وجاءت فكرة كتابته الخاصة بالمكفوفين من وحي "المكعبات" التي كان يلعب بها طفلاً، كانت سطوحه مقعرة بينما كانت نقطه ،التي لم تزد عن الست بارزة، عامان من الزمن قضاهما الشاب في دراسات عديدة أوصلته لابتكار طريقة "برايل" تتألف من 6 نقاط بحدٍ أكثر للحرف الواحد، ويكون لكل حرفٍ من حروف اللغة عددٍا معينا من النقاط يميزه في الشكل عن بقية الأحرف، فيتسنى للكفيف أن يتحسس كل شكلٍ من تلك الأشكال بأنامله، ويميز كل حرف من خلال شكله.
ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل استطاع، بمساعدة أبيه، أن يبتكر آلة كاتبة للمكفوفين بالإضافة إلى هيكل خاص يلائمها، فبات بوسع المكفوفين أن يكتبوا إلى جانب قدرتهم على القراءة، حتى تم تطبيق لغة "برايل" على جميع مدارس المكفوفين بفرنسا، ثم منها إلى جميع مدارس المكفوفين في العالم، ليظل اسمه مرتبطًا بملايين المكفوفين يذكرونه على مدار الزمان.
وانهى برايل مسيرته في عام 1852، لكنه ترك كنز المعرفة للملايين من بعده؛ ليستطيع الكفيف أن يستغل ذكاءه، وقدراته، ويترجمه بحروف تكتب التاريخ.