«دويقة الكوارث» تنتظر: غلابة تحت تهديد الصخور.. وحكومة تبحث عن حل
«دويقة الكوارث» تنتظر: غلابة تحت تهديد الصخور.. وحكومة تبحث عن حل
من بين أكوام الجدران المهدمة والأسقف المحطمة تقف ببساطة أعلى صخرة كبيرة. غرفة صغيرة من الطوب الأحمر ونافذة واحدة صغيرة وسقف خشبى يتراص قرابة 20 لوحاً خشبياً إلى جوار بعضهما لتكوينه. هنا تقطن بدرية جاد الكريم العجوز التى تجهل كم خريفاً عاشت، تخرج من غرفتها الواقعة بشارع الحافظ بمنطقة منشية ناصر كل صباح لتجلس فى الأسفل مع جيرانها، فهى الوحيدة التى بقيت فى غرفتها منتظرة استلام شقتها: «أولادى خدوا شقق، وكله خد شقق إلا أنا وأدينى قاعدة لوحدى مستنية».
مساء أمس الأول فوجئت «بدرية» بمن يطرق الباب عليها. فتحت لتجد المهندس إبراهيم محلب أمامها: «جانى الله يكرمه وقالى ما تمشيش إلا لما نديلك شقة، وقال للجدعان اللى معاه أدوها شقة»، لم تكن تعرفه حينما ألقى عليها السلام ولكن الأهالى أبلغوها بأنه مسئول يستطيع أن يمنحها شقة: «أنا ما أعرفهوش بس هما قالولى إن البيه ده معاه شقق». لم ترحل بدرية مع أبنائها الـ8 الذين حصلوا على وحدات سكنية، معتمدة على غرفتها القابعة أعلى الصخرة الكبيرة، مكتفية بـ5 أو 10 جنيهات تحصل عليها من أبنائها كل يوم أو يومين.[SecondImage]
على مصطبة خرسانية أسفل منزل يصبغه اللون الأحمر، لون كتل الطوب التى تفصلها رمادية الأسمنت اللاصق بينهما، تجلس مرتدية عباءتها البسيطة، بعينين زائغتين ترميهما بين ركام وحطام منازل مهدمة تتخللها قطع خشبية ومقاعد رثة، تم التخلى عنها أسفل الأنقاض، تنتظر المصير المشئوم للمنطقة المقابلة لمنزلها الذى قدر له أن يعانى محنتها الخاصة مع سكان العشش من «المشبوهين»، هكذا تطلق عليهم «أم محمد»، التى تقطن فى المنطقة منذ ثلاثة عقود، راويةً معاناتها مع هؤلاء طوال السنوات الماضية «ناس سلوكها وحش ما نعرفش من أنهى داهية جُم، عاملين وش وصوتهم عالى وسباب طوال اليوم»، لم تخاطر أم محمد بمحاولة إيقاف المهزلة أو حتى مطالبتهم بحسن السلوك والجيرة، فهى تخشى حتى من الاختلاط بهم هى وبقية جيرانها.
«أهو المكان ده اتهد هتلاقيه إتملى شمامين وبيشموا بودرة وكلة، وأنا عندى 5 بنات وخايفة عليهم، باب بيتى فى وشهم على طول»، لاحقاً ستتحول الساحة المكتظة بحطام المنازل المهدمة إلى أوكار للمخدرات والمطلوبين فى قضايا وجرائم عدة، هكذا المصير المنتظر أو المتوقع لهذا المكان، فلا تزال المنطقة بعيدة تؤوى عدداً من المطلوبين فى قضايا جنائية، بحسب وصفها، معربة عن تخوفها من وقوع جرائم قتل داخل إحدى الغرف المقابلة لها، أو حتى أن تكون موقعاً لإخفاء المسروقات والأعمال الإجرامية والمنافية للآداب.
قبل عامين حضر أحد أبناء الصعيد، واستغل مساحة لبناء غرفتين أمام منزلها ليسكن بإحداهما ويؤجر الأخرى، وحينما حاولت أم البنات إيقافه أو اعتراضه هددها بإيذائها والتعرض لها: «ومن ساعتها وأنا فى حالى لا بكلم حد ولا باجى جنب حد، أنا خايفة على البنات»، فقط ما تتمناه هو ألا يعود إلى المنطقة أى أهالى آخرين سواء من حصلوا على الوحدات السكنية أو الهاربين من جرائم بعيداً عن أعين الحكومة: «يا رب بس محدش يرجع تانى ويكتفوا بالشقق اللى خدوها، هما عايزين إيه تانى».
صوت خرير المياه يتسلل إلى الآذان. كلمات اقتربت من الجبل المشؤوم، تنساب المياه من أعلاه إلى أسفله مهددة المنازل المقابلة لسفح الجبل بالسقوط، وعلى بعد نحو كيلومترين من مكتبه، توجه أشرف السيد، مراقب بشركة مياه الشرب بالقاهرة، فرع منشية ناصر، إلى موقع الهدم لمعاينة ومتابعة تداعيات ما أثير من سقوط صخرة تزن طنين. وقف بين الحطام متفحصاً ما على الجبل من منازل آيلة للسقوط وما أسفله من ركام، ملاحظاً وجود مياه تسقط من أعلى الجبل، يتفحصها جيداً يحدد كميتها وكيف يمكن إيقافها «المياه دى خطر على المنطقة اللى تحت لأنه فيه أسلاك كهربا عريانة»، مطالباً شركة الكهرباء برفع الكابلات الكهربية الموجودة أسفل الحطام حتى لا تتسرب إليها المياه المتساقطة وتشكل خطراً على الأهالى.
من جهة أخرى، استنكر حسن أحمد، 48 عاماً، أن يدعى الأهالى أنهم من سكان المقابر حتى يحصلوا على شقق، مشيراً إلى أنه منذ التسعينات وتقوم الحكومة بتسليم العديد من أهالى المنطقة شققاً سكنية لحالة الجبل الرثة التى وضعتها فى حالة الطوارئ متهماً موظفى الحى بتلقى رشاوى لخلق أسماء إضافية غير موجودة فى المنطقة ومنحهم شققاً سكنية أخرى.[ThirdImage]
وأضاف «حسن» أن المحافظة سلمت عام 1989 شققاً لعدد من السكان، وأخلت المنطقة وتركتها أرضاً صالحة لإيواء البلطجية والمشبوهين الذين أعادوا بناء غرف وعشش طالبوا من خلالها بتسليمهم شققاً إضافية فى مناطق 6 أكتوبر وبدر والمقطم، مشيراً إلى أنه منذ 4 أيام، قامت المحافظة بحصر أعداد الأهالى القاطنين أسفل جبل الرزاز بمنطقة منشية ناصر، وقامت بتسليم جزء كبير منهم أمس الأول وأمس، وأن من دعا إلى سقوط الحجر لإثارة الأزمة وللفت انتباه المسئولين وأن الصخرة التى سقطت صغيرة ويشتبه فى عمد إسقاطها من أحد الأهالى المنتظرين لاستلام الشقق السكنية المخصصة لهم من قبل المحافظة.
وحول كيفية العودة إلى المنطقة واستلام شقق أخرى، تابع «حسن»: «الناس بتاخد الشقق من هنا وتبيعها ولا تسلمها لحد تانى، وييجوا يرجعوا يقعدوا فى العشش تانى علشان الحكومة تديهم شقق، رغم أن لهم شقق تانية»، لافتاً إلى أن بعض الأهالى قامت ببيع خطاب الحكومة التى سلمته لهم من خلال عمل توكيلات للمشترى بالتصرف فى الوحدات السكنية التى تم تسليمها، مطالباً بضرورة مراقبة توزيع الوحدات السكنية والقضاء على هذه الظاهرة.