الصمت يعم المكان. الجميع فى حالة سكون. وحدهم الشمامسة يرفعون أصواتهم بالترانيم. تتزين الكنيسة بآيات الإنجيل. اليوم هو قدّاس عيد الميلاد. تمر لحظة مفاجئة يخرج فيها الجميع عن صمته. ترتفع أصوات الحاضرين بالتصفيق والتهليل، فيما الرئيس عبدالفتاح السيسى يخطو بثقة إلى داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، لتهنئة البابا تواضروس الثانى، وأقباط مصر بعيد الميلاد المجيد. حركة مفاجئة، وزيارة خاطفة لم تستغرق سوى 10 دقائق فقط، قدم خلالها السيسى التهنئة لجموع المصريين، هو أول رئيس مصرى، يزور الكاتدرائية فى يوم العيد، لم يكن غريباً أن يحظى بحفاوة الاستقبال. توقف القداس، وخفتت الأصوات إلا من هتافات الحاضرين ابتهاجاً بوجود الرئيس بينهم، وقبل أن ينفرط عقد الاحتفال، انسل الرئيس مستأذناً، تاركاً الشمامسة والرهبان والقساوسة والحاضرين أيضاً يعيدون ترتيب أنفسهم قبل أن يعاودوا احتفالاتهم.
«كان ضرورى أجيلكم علشان أقول لكم كل سنة وإنتم طيبين، وأرجو ماكنش قطعت صلاتكم، فمصر على مدار آلاف السنين علّمت الإنسانية والحضارة للعالم كله، والعالم الآن منتظر الكثير من مصر فى الأيام والظروف التى تمر بها»، كلمات قالها السيسى، وسط تهليل وترحيب الموجودين، الذين أطلقوا تصفيقهم الحاد عقب انتهاء الرئيس من إلقاء كلمته، فرحة بدا أن جدران الكاتدرائية لن تنساها بسهولة.
من المطار إلى الكاتدرائية، سلك الرئيس طريق الوصول، عائداً من الكويت، فى بدلة سوداء ورابطة عنق حمراء زاهية، تعكس لون الاحتفالات «من المهم إن الدنيا تشوف المصريين، وما ينفعش حد يقول غير كلمة المصريين، ومن المهم أن ينظر العالم إلى هذا المشهد الذى يعكس وحدة المصريين الحقيقية، ونؤكد للعالم من هنا أننا جميعاً مصريون فقط، وسيحب بعضنا البعض».
فصل جديد من علاقة مؤسسة الرئاسة بالكنيسة المصرية يكتبه الرئيس السيسى. تلك العلاقة التى شهدت طوال العقود الماضية شداً وجذباً، توتراً وهدوءاً، صعوداً وهبوطاً، لعل عهدها الذهبى ذلك الذى جاء فى فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، قبل أن تدخل نفق الخلاف المظلم فى سبعينات القرن الماضى مع قدوم الرئيس أنور السادات، ثم فترة الجمود التى عاصرت حكم مبارك خلال الثلاثين عاماً الماضية، فالصراع خلال حكم المجلس العسكرى، والترقب فى عهد مرسى، والتفاهم فى عهد عدلى منصور، وأخيراً زيارة الرئيس السيسى للكاتدرائية.
يرى بعض المراقبين أن الزيارة لن تمر مرور الكرام، على الأقل لأنها أسعدت الجميع، سواء مسلمين أو مسيحيين، هذا بالإضافة إلى اهتمام وسائل الإعلام العالمية بها، كأول زيارة من نوعها فى تاريخ مصر الحديث يقوم بها رئيس لمقر الكنيسة المصرية فى عيد للمسيحيين، زيارة يحجز بها السيسى لنفسه مكاناً بارزاً فى التاريخ، سيظل شاهداً على توجه جديد من الدولة تجاه مسيحيى مصر.