كشك صغير، أبوابه الخشبية متهالكة، ونوافذ زجاجية مهشمة، وطلاء باللون الأخضر، تحيطه مياه الأمطار من كل جانب، وفوقه كُتبت شعارات: «بورسعيد مبتحبش غير المصرى»، الكشك يقع بين كتل من المبانى السكنية، المتاخمة لاستاد المصرى ببورسعيد، هنا كان مسرح أحداث المجزرة، كان المشجعون يتهافتون على الكشك من أجل «تذكرة» لحضور مباراة «الأهلى والمصرى». الجميع فى المدينة الباسلة يستعد للقاء فريقهم والنادى الأهلى، غريمهم الأول، لكن تبدل الموقف بعد الحادث المشئوم، الذى راح ضحيته 74 مشجعاً، جلس الجميع فى منازلهم واختفت مظاهر الاحتفالات فى ليلة المباراة. اليوم تتزامن إحدى جلسات محاكمة المتهمين فى المذبحة، مع أول مباراة للفريقين منذ الحادث المروع.[FirstQuote]
على بعد أمتار من موقع «الكشك»، تباع تذاكر مباريات النادى المصرى، وفى شارع «الأمين» الفاصل بين أقدم أحياء المدينة العريقة، حى «العرب»، وحى «المناخ»، يقع مقهى صغير يسمى «الصالح»، كل ما فيه يحمل ألوان النادى المصرى: اللافتة، الطلاء، وشعار النادى الذى يزين واجهة المقهى وجنباته، ألوان الكراسى، والأرضية، وحتى «نصبة» الشاى، وفى المنتصف وبين الجالسين تظهر صورة لاعبى الفريق، وصوت أحد البرامج الرياضية الذى يتحدث عن مباراة الغد، وفى مقعد بعيد، جلس شخص طويل القامة، أصلع الرأس، يرتدى ملابس رياضية، تحمل شعار النادى، محمد صالح الشهير بـ«البرنس»، صاحب المقهى، وأحد المبرأين من جريمة قتل مشجعى الأهلى، الكل فى المدينة يعرفه، فهو ملازم للفريق دائماً، نظراً لطبيعة عمله كمسئول أمن للاعبين، يجلس فى مقهاه، الذى غير معالمه بعد وفاة والده، وجعله يخص النادى المصرى ومشجعيه فقط، فيه مجلسهم وأحاديثهم وتسامرهم عن أحوال الفريق ولاعبيه: «أى حد بورسعيدى مش بيشجع غير المصرى، ولو فى حد من بورسعيد بيشجع فريق تانى بيبقى غريب مش من بورسعيد»، الرجل المنتمى للنادى يقول إنه يجلس وقلبه مع الفريق فى «الجونة»، فهو لا يترك الفريق ودائماً بجواره.[SecondImage]
يجلس «البرنس» فى مقهاه بعدما مُنع من قبل قيادات أمنية، ومجلس النادى من حضور المباراة، حسب قوله، يؤكد بكل ثقة أن بورسعيد ليلة مباراة الأهلى والمصرى لا تكون هادئة كما يراها الآن: «ديه كانت بتبقا ليلة عيد مش أى ليلة»، ويروى لـ«الوطن» عن ليالى مباراة الأهلى قبل المباراة التى نعتها بـ«المشئومة»، عندما وقف حينها يحضر الطلاء الأبيض والأخضر لأحد جيرانه «سمعة» ليطلى به جسده بالكامل قبل أن يظهر به فى المباراة، وآخر قربه يصبغ ريش «ديك» بالأخضر، وعربات التاكسى تخرج فى الشوارع ترفع أعلام النادى المصرى وشعاراته الخضراء، وتطلق آلات تنبيه فى كل مكان إعلاناً عن حالة فرح، ويمر «البرنس» برفقة زملائه المشجعين على المقاهى الأخرى، وأماكن التجمعات لحث شعب بورسعيد على حضور المباراة ومؤازرة الفريق وتشجيعه: «خصوصاً بعد ثورة يناير بعض الناس كانت بتخاف من الحالة الأمنية»، ويستطرد قائلاً بصوت أجش: «ماتش الأهلى والمصرى كان بالنسبة لينا عيد، كرنفال، بس يالّا ربنا يسامح اللى كان السبب».
المدينة الباسلة التى كانت تبيت ليلتها كل عام فى انتظار مباراة الأهلى، كأنها فى ليلة عيد، وتنتشر المظاهر الكرنفالية فى جميع أحيائها وشوارعها، حسب رواية «البرنس» تبدو الليلة هادئة غارقة فى مياه الأمطار، يقول البرنس إن البلد فى حالة ترقب: «بنقول يارب بس الماتش يعدى على خير»، ويقول إن كل آمال مشجعى النادى المصرى مشاهدة الكرة تجرى بين أقدام لاعبى الأهلى والمصرى فى مباراة واحدة، ويقول: «عايزين البلد تهدا وتستقر وبلدنا تمشى وترجع لحياتها، ويمكن الناس تفهم إن بورسعيد اتظلمت زى النادى الأهلى»، مشيراً إلى ضحايا الاشتباكات التى وقعت عند السجن، والتى سقط فيها أكثر من 53 من أهل بورسعيد بجانب المصابين: «بقالنا 3 سنين بنعانى من الحادث ده، وبالنسبة لنا ليلة سودا فى تاريخ البلد».[SecondQuote]
«البرنس» يبيت ليلة المباراة يحضر الشاشات للمقهى، يقوم بتأجير عدد من مكبرات الصوات، ليضعها قبل المباراة، لتذيع عدداً من الأغانى الوطنية وأغانى المدينة الباسلة، وأناشيد النادى، يحاول استعادة أجواء المباراة الغائبة عن بورسعيد، ويستعد لرسم الفرحة على وجهه ووجوه البورسعيدية بعد المباراة: «هوزع ألف جنيه نصها على الغلابة، والنصف التانى مشاريب للمارين فى الشوارع»، يؤكد أن الأمل سيعود للمدينة من الجديد لعودة حقها الغائب على حد تعبيره: «جميع مشجعى النادى الأهلى وإدارته هعترف بكره إنهم كانوا ظالمينا أوى فى اللى حصل»، ويعتقد الرجل أن فوز المصرى فى مباراة الأهلى هو أكبر دليل على أن جماهيره ظلمت فى المذبحة وأنها ليست لها صلة بما نُزف من دماء: «ربنا هينصف وحتحس إن حقك جالك.. والدم حسابه عند الله».
«البرنس» ساعد عدداً من صغار جماهير الأهلى فى الخروج من بورسعيد فى الليلة الدامية، يقول إنه كان يقف بجوار أوتوبيس اللاعبين فى الجراج، وفوجى بثمانية من مشجعى الألتراس الأهلاوية يحاولون الهروب، وكان أحدهم مصاباً فى قدمه، فاتصل بأهاليهم لطمأنتهم، وأخرجهم من بورسعيد بعربة أحضرها من الطريق ودفع تكلفة وصولهم لأهاليهم، واطمأن عليهم حتى وصلوا لمنازلهم: «ولما اُتهمت فى القضية، خافوا ييجوا يشهدوا باللى حصل، واكتفوا بالاتصال بى والاطمئنان علىّ وأنا فى السجن».
فى أحد أكبر شوارع المدينة، على أحد «الكافيهات» الأنيقة، وفوق أريكة بعيدة عن أدخنة «الشيشة»، يجلس بجسده النحيل ولحيته الطويلة، ووجهه الملىء بالجروح من جراء انفجار قنبلة فى المتظاهرين بميدان الشهداء إبان أحداث 30 يونيو، فـ«عادل شحاتة»، خرج ضد الرئيس المعزول، لاعتقاده أن «الإخوان» ضلعوا فيما آلت إليه بورسعيد بسبب المذبحة، وهم من أودعوا نجله «محمد»، الشهير بـ«حمص»، سجن طرة، محكوماً عليه بالإعدام فى قضية المذبحة.[ThirdImage]
بعين على المباراة، وعين على المحكمة، يستعد «أبوحمص» للسفر إلى القاهرة من أجل حضور جلسة محاكمة نجله فى أكاديمية الشرطة، وهو الشاب صاحب الـ23 ربيعاً الذى أسس إحدى أكبر روابط «ألتراس» المصرى «سوبر جرين إيجلز»، ورث عنه والده قيادة الجروب، الذى أسسه، يقول «أبوحمص»: «عمرك شفت أب بيورث ابنه، أنا ورثت ابنى فى الجروب اللى أسسه»، ويرى أن النادى المصرى ليس مجرد فريق كرة قدم: «النادى عندنا أكبر من قصة الكرة، المصرى عندنا مرتبط بتاريخ بورسعيد ونضالها».
الرجل الستينى، الذى يتزعم أحد روابط الألتراس خلفاً لنجله، يقول بملء فيه: «النادى الأهلى يحكم مصر»، مشيراً إلى الظلم الواقع على نجله، والذى أطفأ أضواء المدينة فى ليلة مباراة كانت لهم بمثابة «عيد بييجى من السنة للسنة»، ويتذكر الرجل استعدادات ابنه ورابطته فى ليلة المباراة: «كانوا بيتجمعوا يجهزوا الأعلام والدخلات عشان المنافسة بين جروبات الألتراس التلاتة فى بورسعيد على الدخلات»، ويستقر الشاب على الدخلة ويجمع الأموال للمجموعة لشراء الأعلام والرسم على الأقمشة، وتصميم البانرات، وهى المظاهر التى اختفت لأول مرة فى تلك الليلة بعد المذبحة: «مجموعة حمص اكتفت الليلة إنها اجتمعت عشان تتفق على المكان اللى هيقعدوا فيه وبس، احتراماً لوجود حمص فى السجن، وعشان الألتراس مكانهم المدرجات مش القهاوى»، ويستطرد: «فيه ناس عينها على المحاكمة والمحبوسين وفى ناس عينها على الماتش وبس»، ويعتقد أن الفريق سبب ظلم ابنه، فتشجيع الشاب للمصرى كان سبباً فى حبسه.[ThirdQuote]
أمام سينما مصر، يقف طويل القامة، بشعره الأشعث الطويل، ولهجته التى تظهر فيها اللكنة البورسعيدية بوضوح، يقول محمد هاشم، مهندس صوت: «بكرة هنا مستنينكوا.. هنعرض الماتش فى السينما وهنعمل استاد صغير على قدنا بقا»، يوقف السيارات، يمر على المقاهى، الشاب يعمل مهندس صوت تستعين به الرابطة لإحضار السماعات وأجهزة الصوت، ويؤكد أن الفكرة بدأت مع منع المباريات من استاد «المصرى»، فكانت لهم السينما متنفساً للتشجيع، لا ينقصها سوى الدخلات التى تتميز بها تلك الروابط: «فكرنا نعمل استاد صغير من مباراة تليفونات بنى سويف وبيخرج فيه كل طاقات الشباب»، ويخرج من السينما برفقة الجماهير لشارع الثلاثينى للاحتفال بالنصر: «اللى بتشوفه فى المباراة هتشوفه فى السينما»، ويؤكد أن متعة أهل بورسعيد الوحيدة مشاهدة المباريات: «مدخلتش سينما بقالى 15 سنة لكن هخشها بس عشان أشوف الماتش».
الشاب الثلاثينى، يتمنى عودة الجماهير للمدرجات، ويجهز السينما بالصوت والشاشات، ويؤجرها ويتمنى موافقة صاحبها على عرض الماتش بعد تخوفه من شغب الجماهير: «الناس بتشوف المباراة كأنها فى استاد، يارب الراجل يوافق أصله معصلج شوية»، ويقدر تذكرة دخول السينما للجماهير بعشرة جنيهات.
بالقرب من لافتة كبرى تحمل صورة الطفلة «زينة» شهيدة بورسعيد، وعلى الجهة المقابلة لها فى بناية كانت تسكن فيها، تظهر لافتة مقهى «البحرية» مقر ألتراس «جرين إيجلز»، وسط الجالسين داخل المقهى يحمل «صينية» عليها أكواب المشروبات الساخنة، يضع كوباً هنا، يحاسب زبوناً آخر، يستمع لمطالب أحدهم، ويعود ليمر فى سرعة لافتة، بملابسه الثقيلة، وشاله الصوفى وبشرته السمراء، ولحيته القصيرة، «عمرو على» يعمل بالمقهى منذ عشر سنوات، يقول: «هنا مقر ألتراس بورسعيد»، ويؤكد أن مقهاه شهد الكثير من الليالى لمباراة الأهلى والمصرى: «الليلة ديه بتختلف عن كل الليالى»، الرجل فى انتظار مجموعة الألتراس لتعود لرسم اللوحات على جدران القهوة، وتعليق اللافتات وتجهيزها على أعمدتها الطويلة، لكن خاب ظنه، فجاءت المجموعة بملابس عادية وليس بزيهم الذى اعتاد رؤيتهم به، وجلست تطلب بعض المشاريب، دون أن ينبسوا بكلمة، تحدثوا فى هواتفهم، لم يكملوا الساعة، وغادروا.
ورغم خيبة أمل «عمرو» يصر على أن «الليلة تختلف عن أى ليلة»، ويقول إن المباراة مهمة ويدعو الله أن تمر على خير، فبورسعيد تفرغ نفسها من الليلة للمباراة، وينهى كلامه: «الأهلى ناد كبير والمصرى ناد كبير.. واللى حصل ملناش ذنب فيه وكل شاب فى بورسعيد ملوش ذنب»، ويرى المباراة بمثابة إعادة العلاقة بين الناديين.
داخل المقهى، يجلس محمد على موظف بشركة الكهرباء يشاهد أحد البرامج الرياضية، ويقول إن أكثر ما يحزنه هو الإساءة لبورسعيد البلد التاريخى: «البلد ملهاش ذنب والناس ملهاش ذنب فى الموضوع»، ويستعد الرجل لأخذ إجازة من عمله لمشاهدة المباراة: «عايزين الماتش ميتلعبش ليه؟ بعد سنة ولا سنتين أكيد هيتلعب ولازم الناس تفهم براءة بورسعيد وأهلها من المذبحة»، ويتهم الإخوان بشكل واضح بالضلوع فى المذبحة: «ما هما عرفوا مين اللى عمل كده عايزين إيه تانى؟»، ويدعو الله أن ينتصر الفريق: «الفوز فى الماتش ده بالذات عشان نبقى قدام المجتمع اتظلمنا»، ويعتبر أن تلك ستكون إشارة إلهية على براءة شعب بورسعيد وأهل المدينة الباسلة، ويكرر الكلمة التى عاود الجميع قولها: «ماتش الأهلى مختلف عن أى ماتش».