قال الناشط الحقوقى التونسى عبدالعزيز عقوبى عضو الرابطة الوطنية الفرنسية لحقوق الإنسان فى فرنسا، الذى يقيم فيها منذ أكثر من 45 عاماً: إن «الهجوم الذى وقع ضد مجلة شارلى إيبدو الفرنسية فى نظر الفرنسيين بات بمثابة اعتداءات (11 سبتمبر) جديدة، تدفع فرنسا لمحاربة الإرهاب فى عقر داره»، مشيراً إلى احتمالات انخراط فرنسا بشكل أكبر عسكرياً فى الخارج، لمكافحة الإرهاب بعد أن وصل إلى الفرنسيين أنفسهم، مؤكداً فى الوقت ذاته أن الحادث يُثير مخاوف المسلمين من استغلال اليمين المتطرّف له.. وإلى نص الحوار:
■ بداية، كيف استقبل الفرنسيون بصفة عامة مجزرة «شارلى إيبدو»؟
- كل الفرنسيين، مسلمين وعرب ومسيحيين ويهود، بكل الثقافات والخلفيات استقبلوا الهجوم بالأسى والحزن، فإلى جانب سقوط ضحايا، يخشى الفرنسيون أن يكون هذا الحادث بدايةً نحو الانجرار إلى العنف والإجرام، لديهم خوف من أن يؤثر الهجوم على الحقوق والحريات. ومن هنا يأتى تخوّف العرب والمسلمين من اليمين المتطرّف.
■ تحديداً.. ما موقف المسلمين والعرب بعد الهجوم؟
- أنا ناشط حقوقى وسياسى وأعيش هنا فى فرنسا منذ 45 سنة بين أوساط السياسيين الفرنسيين والجالية العربية والمسلمة والأوساط الاجتماعية هنا فى فرنسا، ولنا تجربة مع أحداث مماثلة، لكن فرنسا مجتمع حريات ويُؤمن بالتعدّد الثقافى، والخوف لدينا دوماً ليس من السلطات أو المواطنين الفرنسيين المغايرين لنا، وإنما يكون من استغلال اليمين المتطرف لهذه الأحداث وتوظيفها ضد العرب والمسلمين هنا فى فرنسا، خاصة أيضاً إذا وضعنا فى اعتبارنا الأجيال الحديثة أو الجيلين الثانى والثالث من أبناء العرب والمسلمين هنا، فمن الممكن أن يتسبب ذلك فى ضغوط عليهم، ربما تحدث لهم مضايقات فى العمل أو فى الطرق مما قد يدفعهم إلى العنف، لكن على أى حال هى أزمة وستمر. وهنا العرب والمسلمون جزء من المجتمع وما يهمهم هو مصالحهم ووضعهم الاجتماعى أكثر من أى شىء آخر.
■ كيف سيكون تأثير الهجوم على العرب والمسلمين خارج فرنسا؟
- الفرنسيون يرون هجوم «شارلى إيبدو» 11 سبتمبر جديدة، وقد تدفع تلك الأحداث فرنسا إلى اتخاذ قرارات جديدة أكثر جرأة فى محاربة الإرهاب فى عقر داره، كأن تنخرط مثلاً فى حروب ضد الإرهاب بشكل أكبر، فى ظل مشاركتها بالفعل فى التحالف الدولى ضد «داعش»، وقد سبق أن تدخّلت فى مالى. وسيكون التركيز على منطقة الصحراء الأفريقية المصدّرة للإرهاب، التى يذهب إليها كذلك البعض لتلقى التدريبات فى معسكرات إرهابية والعودة إلى فرنسا، وربما يكون ذلك من خلال الأمم المتحدة.
■ هل تغيّرت طريقة تعامل السلطات مع العرب والمسلمين حتى لو تغيراً بسيطاً خلال الأيام القليلة الماضية؟
- ليس هناك تغيُّر ضد العرب والمسلمين، لأن الإرهاب فى النهاية عدو للكل، ونذكر مثلاً أن مسلمَين اثنين قُتلا فى الهجوم. ولكن إن كان هناك بعض التغيّر فيكون من خلال بعض الأحزاب السياسية ويكون فى آراء فردية وليس موقفاً جماعياً ضد العرب والمسلمين. وأؤكد هنا أن فرنسا بلد ديمقراطى ولا يتعامل مع الأحداث بطريقة تمييزية، بعكس الدول العربية، لأنها تعتبر دوماً أن أى عدو لأى فرنسى هو عدو لكل الفرنسيين أياً كان معتقدهم أو ثقافتهم. حتى أنا أقيم فى حى ديل فرانس فى ضواحى «ليون» بالقرب من المسجد الذى وقع انفجار أمام مطعم كباب مجاور له فى اليوم التالى لهجوم «شارلى إيبدو»، وهو مسجد تأسس سنة 1978، ولا نعلم حتى إذا كان المسجد هو المقصود من القنبلة أم لا، ولكن تبقى حوادث فردية فى مجتمعنا.
■ هل لوحظ تغيُّر لدى الفرنسيين فى طريقة تعاملهم مع العرب والمسلمين عقب الهجوم؟
- علينا أن نكون واقعيين، نحن نأتى إلى المجتمع الفرنسى ولدينا عاداتنا وثقافاتنا الخاصة بنا ونرفض التخلى عنها، ونحن نختلف عن غيرنا. لكن الأزمة أن الإرهاب والتشدّد يزيد الطين بلة بالنسبة لنا. نحن لدينا تخوّف من المستقبل، وهم لديهم تخوّفهم على تراثهم وثقافتهم، خاصة أن فرنسا موجودة عند بقعة مهمة من البحر المتوسط، وبالاقتراب من شمال أفريقيا وبلاد المغرب العربى التى يمكن المرور منها بسهولة إلى فرنسا، مما يُعرّض فرنسا أكثر لمخاطر الإرهاب، لأن سيطرة العرب والمسلمين على هذه المناطق ستؤدى إلى صعوبة حمايتها من الإرهاب، هكذا هم يفكرون.
■ هل من الممكن أن تصف لنا الأوضاع الأمنية الآن فى فرنسا؟
- كل شىء فى فرنسا تحت الحراسة، القوات الأمنية موجودة أمام كل المؤسسات، وأمام المعابد والكنائس والمساجد، وأمام المحال الكبرى. وقوات الأمن منتشرة، ليس لتأمين مصلحة أطراف بعينها، وإنما لحماية كل الفرنسيين، بمن فيهم العرب والمسلمون.
■ وهل يعنى ذلك أن السياسات الأمنية ستتغير فى فرنسا؟
- السياسات الأمنية فى فرنسا حتى لو تغيرت، أؤكد أنها لن تنعكس على الحقوق والحريات بالسلب، لأن الفرنسيين فى أغلبهم لن يقبلوا أى سياسات أو قرارات تتسبّب فى إهانة أى إنسان أياً كان.
■ وبالنسبة لقوانين الهجرة؟
- علينا أن نضع فى اعتبارنا أن فرنسا مثل باقى دول أوروبا لديها نقص فى عدد الشباب، وبالتالى فهى بحاجة إلى رأس المال البشرى المقبل إليها، وبالتالى بمنطق نفعى خالص لن تُغلق الباب أمام استقبال وافدين جدد إليها. من الممكن فقط زيادة بعض الإجراءات الأمنية، كالتحقق من الشخص المقبل، بعض الأمور الأمنية ربما يكون لها علاقة بجماعة إرهابية أو خلافه فقط، وهذا أمر طبيعى ومقبول.
■ كيف ينظر اليمين المتطرف إلى العرب والمسلمين؟
- أؤكد أولاً أن اليمين المتطرّف ليس خطراً على العرب والمسلمين وحدهم، بل خطر على الفرنسيين كلهم، لأنه تيار سياسى يرفض كل ما هو خارج فكره ومعتقده، سواء أكانوا عرباً ومسلمين أو غيرهم.
■ بالنسبة إلى الإعلام، هل هاجم العرب والمسلمين فى فرنسا؟
- مهاجمة بعض وسائل الإعلام لنا أمر لا يُقلقنا، ونحن متعوّدون على مثل هذه الأمور، ونحن نتعايش مع ذلك. وكذلك الهجوم لا يطال الجالية العربية والمسلمة فقط، بل يطال غيرهم.