يمثل ما يسمى «الذئاب المنفردة» الخطر الأكبر على الدول الأوروبية، إذ إن معظم العمليات الإرهابية التى حدثت منذ ظهور تنظيم القاعدة إلى العلن، فى دول أوروبا، كان وراءها عناصر هذا الجناح المسلح الذى يطلق على الجهاديين مصطلح «الذئاب المنفردة»، والذى تشكل من مجموعة من المتطرفين لا يخضعون لقيادة تنظيم أو جماعة، بل يعتمدون فى عملياتهم على أفكارهم التى تلقوها فى الأغلب عبر الفضاء الرقمى.
ومصطلح «الذئاب المنفردة» وُلد مع «القاعدة» ونما مع بداية الألفية، وتضخم مع مجلة «إنسباير» التى تصدر عن التنظيم منذ 2010، وكان أول مقال بها لمؤسسها أنور العوالقى بعنوان «الذئاب المنفردة.. كيف تصنع قنبلة فى مطبخ أمك»، ويطلق المصطلح على خلايا التنظيمات المتطرفة فى الدول التى لا تخضع لسيطرة فعلية لهذه التنظيمات، وخطورتهم تكمن فى أنهم يمكن أن يكونوا شخصاً واحداً أو مجموعة صغيرة تخطط بشكل منفرد لعمليات إرهابية تستخدم فيها مواد بدائية الصنع ومتفجرات شديدة الانفجار، وغالباً يتم تجنيدهم عن طريق المدارس السلفية الموجودة فى أوروبا، أو الجهاديين الذين شكلوا خلايا عنقودية فى البلاد التى حصلوا على حق اللجوء السياسى فيها، أو حديثاً من خلال الإنترنت. وهؤلاء فى الغالب، أو معظمهم، موجودون فى أوروبا، ويعانون من مشاكل عنصرية أو حالة اضطهاد، هذا بالنسبة لمن يحملون جنسيات هذه الدول (أى الجيلين الثانى والثالث من المهاجرين)، أما الأوروبيون من الذئاب المنفردة فيعانون وفقاً لدراسات من حالات اكتئاب وملل واضطهاد.
وخلال العشر سنوات الأخيرة كانت أوروبا ملجأ لنمو الأفكار المساعدة على انتشار هذه الظاهرة التكفيرية، بعدما احتضنت دولها فى منتصف السبعينات وبداية الثمانينات شخصيات جهادية فرّت من بلدانها ومنحتها حق اللجوء السياسى، فعملت على نشر أفكارها، مستغلة الحرية ومطالب المنظمات الدولية لحكومات هذه الدول بمنحهم مزيداً من الديمقراطية.[SecondImage]
وخلال الفترة الأخيرة بث تنظيم «داعش» الإرهابى فيديوهات لعناصر من مقاتليه يتحدثون بلغات مختلفة، يمزقون بطاقات هويتهم، وجوازات سفرهم، لكن المهم أنهم كانوا يروجون لأفكار التنظيم بإطلاق رسائل لزملائهم وأصدقائهم الذين يعتقدون أنهم قريبون من أفكارهم بتشكيل مجموعات صغيرة أو العمل بشكل منفرد لاستهداف الأجهزة الأمنية والمنشآت الحكومية فى الدول الأوروبية، تحت شعار «إن لم تستطع السفر لسوريا والعراق، فانقل المعركة لعقر دارك»، وهذا ما قالته البريطانية «أقصى محمود» على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر» بعدما هربت من أسرتها فى لندن، لتلتحق بتنظيم الدولة الإسلامية «داعش».
وتختلف الدوافع الاجتماعية والنفسية والسياسية للذئاب المنفردة من أصول عربية عن غيرهم من ذوى الأصول الأوروبية، إذ إن معظم العرب المسلمين الذين يسافرون لبلدان أوروبية، كما الحال فى فرنسا وبريطانيا، يعانون من حالة اضطهاد من بعض تيارات اليمين المتطرفة، فوفقاً لصحيفة ديلى ميل البريطانية، أُجرى خلال عام 2013 استفتاء فى بريطانيا عن الشىء الذى قد يجعل المجتمع البريطانى أكثر سعادة؟ فاختار 69% من البريطانيين أن المجتمع سيكون أكثر سعادة إذا ما كان بدون مسلمين، ومثل هذه الأفكار المتطرفة التى لم تكن أوروبا تعرفها من قبل ساهمت فى نمو شعور بالاغتراب والعزلة لدى العربى المسلم المقيم هناك، فافتقد الانتماء ولم يجد إلا اللجوء إلى اعتناق الأفكار الأصولية المتطرفة فى ظل حالات البطالة ودعوات طرده من أوروبا بحجة الهجرة غير الشرعية.
أما بالنسبة للذئاب المنفردة من الأوروبيين فتتراوح أعمارهم فى الغالب بين 17 و28 عاماً، ومعظمهم يعانى من حالة اكتئاب وملل، ورغبة فى تحقيق الذات والتحدى، وفقاً لما كتبته صحيفة «جارديان» البريطانية فى العام 2014 فى تحقيق لها حول أسباب سفر الجهاديين الأوروبيين لسوريا والعراق، وتفكير البعض الآخر فى تشكيل جماعات منفردة لمواجهة حكوماتهم.
وتتنوع وسائل تجنيد هؤلاء، أشهرها الإنترنت، إذ يبث تنظيم داعش الإرهابى يومياً ما يقرب من 40 ألف تغريدة وفقاً لدراسة أجراها مركز «سوفان» البريطانى المتخصص فى مراقبة الحركات الجهادية، يخاطب فيها شباب أوروبا، ويقدم من خلالها رسالته. وقد استطاعت الهالة الإعلامية التى رسمها التنظيم حول نفسه استقطاب المئات من هؤلاء، وتجنيدهم، واستخدامهم فيما بعد لتجنيد آخرين.[FirstQuote]
ومن ضمن وسائل تشكيل وجدان «الذئاب المنفردة» علماء الدين والمدارس، فعلى الرغم من أن الأغلبية العظمى من المساجد لا تعين أئمة متطرفين، فإنها تُعتبر «حاضنة» للمتطرفين والجهاديين، فهى وسيلة لتعرُّف هؤلاء على بعضهم ونشر أفكارهم، وكان هناك مسجد يقع فى إحدى ضواحى لندن يُعتبر مثالاً على التطرف الإسلامى، حيث استُخدم فى أواخر التسعينات كمركز لاستقطاب جهاديين لأفغانستان، وكان يقوده حينها الإرهابيان أبوحمزة وأبوقتادة، كما أن هناك مسجداً آخر بإحدى ضواحى العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، أعلن رواده دعمهم لداعش فى 2 سبتمبر 2014. فضلاً عن أن السجون الأوروبية، التى احتجزت جهاديين خلال الفترات الماضية، شكلت هى الأخرى منصة لإطلاق هذه الأفكار المتطرفة، نتيجة اختلاط الجهاديين بمجرمى أوروبا، ومنحهم الفرصة للسيطرة على بعض هؤلاء المجرمين وتحويلهم لشخصيات تكفيرية ناقمة على المجتمع.
وفى 24 أكتوبر الماضى، فى صفحة التحليلات بصحيفة ديلى تليجراف «البريطانية»، يقول محلل شئون الدفاع «كون كوجلن» إن التحدى الأكبر للأجهزة الأمنية فى الغرب سيكون محاولة منع ما يسمى «الذئاب المنفردة» المتشددة من ارتكاب أعمال إرهابية، على حد قوله.
وأشار الكاتب إلى تحوّل المواطن الكندى مايكل زحاف إلى الإسلام بعد قتل شرطى وإطلاق النار داخل البرلمان فى العاصمة الكندية أوتاوا، ويعدد «كوجلن» الأشكال التى يمكن أن تقوم بها «الذئاب المنفردة» بعملياتها، ويقول إنها يمكن أن تكون زرع قنابل ذاتية الصنع فى أماكن مختلفة، أو شن هجوم فردى بالسلاح كما فعل اليمينى المتطرف أندريه بريفيك فى النرويج عام 2011 وقتل العشرات احتجاجاً على سياسة بلاده فى مسألة هجرة الأجانب إليها.
ويرى الكاتب أن منع مثل هذه الهجمات أمر شديد الصعوبة ما لم تكن لدى السلطات معلومات عن نية الشخص القيام بمثل هذا العمل. وتتزايد مخاوف الأوروبيين والأمريكيين من تشجيع المتطرفين الإسلاميين على القيام بمثل هذه الأعمال المنفردة بدلاً من العمل بشكل جماعى لتنفيذ خطة ما كما حدث فى مهاجمة برجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك فى 11 سبتمبر عام 2001 أو هجوم 7 يوليو عام 2005 فى لندن. ويؤكد «كون» أن هؤلاء الشباب الذين يسافرون للقتال فى سوريا والعراق وغيرهما سوف يعودون بعد فترة إلى بريطانيا بعد تشبعهم بأفكار التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم «الدولة الإسلامية»، بالإضافة إلى من يتحول منهم إلى التطرف نتيجة متابعتهم للفكر الجهادى الموجود على الإنترنت الذى يدعو أتباعه إلى قتل المواطنين الأبرياء تقرباً إلى الله، واختتم الكاتب مقاله بالقول إنه طالما بقى هذا الفكر المتطرف سيكون هناك شباب مستعدون للقيام بارتكاب تلك الأعمال.
ويُعتبر «أنور العوالقى»، مؤسس مجلة «إنسباير» التابعة للقاعدة والتى لا تزال تصدر حتى الآن، هو الأب الروحى لـ«الذئاب المنفردة»، على الرغم من مقتله فى 30 سبتمبر 2011.