الأب إبراهيم فلتس يكتب: ميلاد الحب الأبدي
الأب إبراهيم فلتس يكتب: ميلاد الحب الأبدي
- الأرض المقدسة
- الحب الأبدى
- المسيح عيسى
- العائلة المقدسة
- الأرض المقدسة
- الحب الأبدى
- المسيح عيسى
- العائلة المقدسة
فى تلك الليلة العجيبة، أُغلقت الأبواب ولم تجد العائلة المقدسة مكاناً لتستريح، لتضع الأم مولودها العجائبى، عميت عيون الناس عن الخير القادم، خاف هيرودس الملك من طفل رضيع، اهتز عرش الشر، وتزعزع الملوك والممالك، ارتعش عهد قديم بكل ما حمل من دعوات العين بالعين والسن بالسن وتفاصيل شريعة راعت مصالح أصحابها وداست على جوهرها وهو الإنسان. فى تلك الليلة وُلد طفلٌ معلناً بميلاده المتواضع فى مذود بسيط بداية مُلك جديد وشريعة جديدة، خالفت كل ما عهدته البشرية فى سنواتها الغابرة: شريعة المحبة والعدل والتسامح والسلام.
بالميلاد كشفت المحبة الأزلية عن نفسها، وأعلنت للناس تلك البشرى التى تنبأ بها الأنبياء وطال انتظارها، بشرى نوع جديد من المُلك الذى يسود القلوب والعقول، ولا يعرف سلطة مادية، ولا فكراً بشرياً، ولا جيوشاً ولا أسلحة، سلاحه الوحيد المحبة فقط، محبة الإنسان لأخيه الإنسان لإنسانيته فقط. أعلنت تلك الليلة أن صوت المحبة يعلو ولا يُعلى عليه، وأن هذا الصوت سيغلب مقارعة التروس وضرب السيوف ومكائد العروش. بذلك الميلاد وُلدت مملكة جديدة، لا تعرف حدوداً بشرية، ولا دساتير وضعية، بل هى مملكة القلوب، حيث يعيش كل إنسانٍ متصالحاً مع نفسه ومع أخيه الإنسان ليشكل مملكته الخاصة المبنية على المحبة.
بالميلاد، فرضت المحبة سلاماً جديداً ودائماً يرتكز على العدل والتسامح. شهد العهد القديم بعض فسحات السلام، ولكنه سلام مؤقت، أو استراحة محارب فقط، فقد ارتكز على قوة السلاح والسيطرة والظلم. أما سلام العهد الجديد فهو سلام دائم ينطلق من داخل قلب الإنسان. إنه سلام يعيشه الفرد مع نفسه أولاً، يعيش متصالحاً مع نفسه وأهل بيته ومنه إلى العالم أجمع، فتسامُح وسلام الميلاد ليس ضعفاً، ولا يستكين مع الظلم، بل إن العدل جوهره، وكرامة الإنسان موطنه. إنه السلام الذى يعلمنا، كما علمنا السيد المسيح له المجد: «أن نعطى لقيصر ما لقيصر، وما لله لله».
لم تنتهِ قصة الميلاد هنا، بل بدأ معها صراع الخير والشر، ليتحرك أعداء الخير والمحبة والسلام، متسلحين بوهم تهديد مُلكهم من هذا الطفل، فلم يفهموا أن «مملكتى ليست من هذا العالم» كما قال السيد المسيح، فاستشاط هيرودس غضباً، خاف وارتعد وارتعش من طفل صغير مولود فى مذود بسيط، ليبدأ حملةً، قتل خلالها أطفال بيت لحم الأبرياء، متوهماً أنه بذلك يكون قد قضى على هذا الملك الجديد. ونحن اليوم فى بيت لحم نحيى هذه الذكرى فى الثامن والعشرين من كانون الأول/ يناير من كل عام فى مغارة أطفال بيت لحم التى تقع تحت المذود، نصلى ونرفع الدعاء إلى الله بأن يحمى أطفالنا، فما زال هيرودس يجول فى الأرض قاتلاً للأطفال. ولكن الله تعالى جلّ جلاله، وجّه العائلة المقدسة إلى الأمن والأمان، وجَّهها إلى بلدٍ قوى وآمن، وجَّهها إلى مصر العزيزة الكريمة القوية، لتستضيف العائلة المقدسة فترة من الزمن إلى أن يزول مُلك هيرودس، لتصبح مصر شريكة فى الحفاظ على رسالة الميلاد بالحفاظ على الطفل صاحب الرسالة وعائلته المقدسة إلى أن يزول الخطر ويبدأ بنشر رسالته إلى البشرية جمعاء. أصبحت مصر بدورها موطناً للمحبة، حامية لقيم التسامح، ومصدراً للسلام القائم على العدل.
مع إطلالة الميلاد فى كل عام، تجيش القلوب بالمحبة، وتبرز الدعوات إلى العودة الحقيقية إلى قيم المحبة والعدل والسلام العادل والحقيقى فى مدينة الميلاد بيت لحم، وأرض الميلاد فلسطين، تعود العقول والقلوب لتنظر إلى مصر من جديد، لتشكل هذا الملجأ الأمين الذى منحته للعائلة المقدسة.
كل عام وأنتم بخير
*النائب العام لحراسة الأراضى المقدسة