بالصور| هنا "الحاتي".. "مطعم فخم" أيام الملك و"قهوة بلدي" بعد الثورة

كتب: روان مسعد وميسر ياسين

بالصور| هنا "الحاتي".. "مطعم فخم" أيام الملك و"قهوة بلدي" بعد الثورة

بالصور| هنا "الحاتي".. "مطعم فخم" أيام الملك و"قهوة بلدي" بعد الثورة

عبق الماضي القريب يخرج من بين فتحات النوافذ، أرستقراطية الصفوة والطبقة المالكة ما زالت بصماتها مطبوعة على الحوائط والأسقف، في هذا المكان جلس الملك فاروق وأصدقاؤه، ومن هنا مرت الحاشية والدبلوماسيون، عَبر خلال تلك البوابة كبار رجال الدولة، ورجال الأعمال، هنا مطعم على حسن الحاتي، "أول مطعم في بر مصر" يقدم المشويات والأطعمة البيتي. نصف ساعة فقط يمكن أن ترجع بك إلى عام 1926 حينما افتتح الحاتي مطعمه، رفاهية الماضي تستوقفك، تجد المبنى كله ما هو إلا مطعم، ليس جزءًا من بناية أو مول تجاري، أعمدة كبيرة من الجبس محفور عليها أشكال فنية، ونجف يبدو نحاسيًا يتدلى من سقف مرتفع، ومرايا كبيرة شاهقة كما هي منذ زمن، بالإضافة إلى وجود "الشواية" الكبيرة وآلات المطبخ كما هي دون إتلاف، إلا أن ألوان المطعم الحالية، أضفت على المشهد الكلاسيكي عبثية الحاضر العشوائي، فما أن تتحوَّل عيناك من النجف إلى الحوائط ذات اللون البرتقالي والأزرق، حتى تفيق من غفوتك. "الدهان كان بنيًا مع درجات الرمادي، واعترضنا جدًا على اللون ده لأنه غير مناسب مع طبيعة المكان"، يصف شريف، مدير القهوة الحالي، كيف تحول المطعم إلى "خرابة"، وللمطعم بوابة كبيرة بيضاوية الشكل مضلعة من الأعلى، تدخل منها لتجد إلى يمينك مطبخًا له شباك كبير يطل على الخارج، وإلى يساره مكان الطعام الرئيسي، لا يزال يزينه ترمومتر أثري يقيس الحرارة إلى الآن، بالإضافة إلى وجود الفواصل الخشبية كما هي، إلا أن الأثاث الوثير تبدل بكراسي "بامبو"، وبعض الوسائد المتهالكة التي عفا عليها الزمن، والأرضيات أضحت أكثر رداءة، ولمطعم الحاتي باب جانبي من الخارج، كان مخصصًا لدخول العائلات، ويعد المدخل الوحيد إلى الدور الثاني، والروف حيث البُرجلة الخشبية، والهواء النقي والبراح. كان 2007، هو عام التحول في تاريخ أول مطعم في مصر، حينما فشل ورثة "الحاتي" في إدارة مطعمه، فباعوه للحاج سيد السوهاجي، ولم يستطع هو الآخر الإفلات من قبضة الاستبداد الاقتصادي والضائقات المالية، وبجانب المطبخ وتقديم الأكلات المصرية بالداخل، قرر السوهاجي فتح الباب خارج الساحة الرئيسية للمطعم ليكون كافيتريا، "أنا مشرف في المكان من سنة ونص، لكن أعرفه من قبل ذلك من أيام ما كان مطعم كمان"، يحكي شريف حكاية رفاهية المطعم الذي أصبح مجرد ذكرى. ومثل معظم المناطق التجارية الصغيرة في مصر، أغلق المطعم أبوابه، مع ثورة يناير 2011، ولم يكمل على النهج الذي أنشئ من أجله، فأضحى مجرد قهوة تطل على الشارع، تستمد بعض زبائنها من التاريخ الذي لم يندثر بعد، الأتربة تغطي معظم الأماكن، الأثاث لم يعد وثيرًا، "زمان كانت الترابيزة عبارة عن سفرة صغيرة، 6 كراسي وطاولة في المنتصف"، وفق شريف، وكان السوهاجي يرغب في إجراء ترميمات حقيقية للمكان إلا أنه لم يستطع إكمالها كما بدأها، بسبب الأزمة الاقتصادية، "للأسف أنا شفت المطعم وهو بيتحول من أحسن مطعم مصري لمجرد قهوة". "الحاتي" هي عائلة أول من فكَّر في افتتاح مطعم في بر مصر، وليست مهنة بائعي المشويات، لكن أصبحت المحال التي تفتح أبوابها تسمى "الحاتي" بسبب الشهرة الواسعة التي حظي بها حسن الحاتي في مصر كلها وليس القاهرة فقط، "فريق عمل المطعم كان ضخمًا جدًا، الطباخين غير اللي بيوصلوا الأكل، غير منسقي الترابيزات، والجارسونات، إنما دلوقتي كلنا على بعض 8 أفراد بنشتغل"، يحكي شريف محاولًا تذكر ماضٍ جميل، تحول مع عام 2006 وفقًا له، "قبل السنة دي كانت الفئة اللي بتنزل وسط البلد غير كدة خالص، مش عارف حصل كدة ليه". ضجيج مفترشي الرصيف، وصياح بائعين هنا وهناك، "كلاكسات" سيارات، وشحاذين ورائحة كبدة تفوح من عربة على قارعة الطريق، بالتأكيد المشهد لم يكن كذلك منذ 70 عامًا، "جه مرة حد من اللي كانوا شغالين في المكان ده ومسافر، مصدقش اللي حصل ولا التغيير الجذري ده"، بحسب شريف، فالفئة المجتمعية ذاتها تبدلت وبدلًا من الأغنياء الذين اعتادوا ارتياد المنطقة، أصبحت الطبقة البسيطة هي المسيطرة، "الوضع اتغير في وسط البلد وده انعكس على القهوة هنا أو المطعم سابقًا، متطلبات السوق كدة"، وفقًا لشريف. "لحد النهارده بييجي ناس عشان تاكل في المطعم من زباينه القديمة، ولكن بيتصدموا لما بيشوفوا الحال وبشوف حسرتهم في عيونهم، المطعم كان يشبه المطاعم الموجودة في فرنسا"، كما أن العمال الذين مضوا أكثر من عشرين عامًا في المطعم لا تزال أقدامهم تطأ المكان من حين لآخر، أما السياح فلهم نظرة أخرى، حيث يتطلعون في الكتب السياحية بحوذتهم ليجدوا عنوان أول "حاتي" في بر مصر، ويأتون إليه، وينظرون إلى المصريين بشيء من العتاب واللوم بسبب عدم المحافظة على تراثهم الفريد. يطغى الطابع التراثي على المكان رغم كل ما مرَّ به من أزمات، "محدش من وزارة الثقافة جه سأل عن المكان، أنا بتمنى يكون زي ساقية الصاوي"، فالمطعم تزينه لوحة كبيرة للملك فاروق وسط حاشيته كدليل موثق على مروره على المطعم، ومنذ ذلك الحين تردد عليه الفنانون والمثقفون والطبقات الراقية قديمًا، "كل يوم الصبح لما ببص للمكان بحزن، وإحنا بنحاول مع صاحب المطعم قدر الإمكان الحافظ على الطابع الأثري له".