وجوه عابسة، وعيون زائغة، تترقب ما يدور حولها بحذر، رصاصات الغدر التى يطلقها من يعتنقون الفكر التكفيرى، لا تفرق بين جندى أو مواطن عابر من أهلها، فاليد التى تطلقها لا تتردد ولا ترتعش، وسط هذه الأجواء المشحونة بالحزن والخوف يعيش أكثر من نصف مليون مواطن مصرى، وفقا لآخر إحصاء لتعداد السكان لعام 2013، أغلبهم من قبائل البدو، يعيش بينهم عشرات المئات وربما الآلاف من المقيمين فى مدينة العريش أو غيرها من مراكز المحافظة الحدودية، بسبب طبيعة عملهم منذ سنوات تتفاوت من أسرة إلى أخرى. تزداد الحياة مأساوية مع المعاناة اليومية والوصمة التى تلاحق أهلها حيثما ذهبوا فهم «إرهابيون»، حتى من ترك منهم سيناء مؤقتاً وانتقل للإقامة فى محافظة أخرى حتى تعود الأمور إلى طبيعتها الأولى، لكن أوراق هويته تفرق بينه وبين من يعيش معهم فى المحافظة الجديدة التى انتقل إليها، «س. ع » رغم إقامته فى مدينة بير العبد التى تعتبر أكثر هدوءاً بخلاف مدن وقرى سيناء الأخرى، لم يحدث أن وقعت فيها أى عملية إرهابية، تطلبت طبيعة عمله السفر إلى إحدى الدول العربية لمدة ثلاثة أيام لإنهاء بعض الأمور المتعلقة بتجارته، وكان معه جميع الأوراق التى تثبت ما سافر من أجله، أثناء مروره على الجوازات داخل صالة الركاب بمطار القاهرة.[SecondImage]
اكتشف الضابط القابع فى كشك زجاجى أن إقامته فى مدينة بئر العبد بمحافظة شمال سيناء، تم التحقيق معه لأكثر من ساعتين وفى النهاية قام الضابط «بتخريم» الجواز الخاص به، بحيث لا يصلح للسفر به أو استخدامه مجدداً، دون إبداء أى أسباب، وبعد مرور عدة أيام ذهب إلى السجل المدنى وقام بتغيير محل إقامته على عنوان أحد أقاربه بمحافظة الإسماعيلية، وبعد مرور عدة أيام قام باستخراج جواز سفر بالعنوان الجديد، ليتمكن بعدها من السفر دون أن يعترضه أى شخص فى المطار، ليختتم كلامه قائلاً «وكأن أهالى سيناء مش مصريين».
موقف آخر تعرض له سالم نصر، أحد أبناء مركز الشيخ زويد، أثناء عودته من القاهرة إلى سيناء، فى إحدى سيارات الأجرة القادمة من موقف المرج بالقاهرة متجهة إلى العريش، فى أحد الأكمنة قبل دخول العريش، طلب أمين الشرطة من ركاب السيارة «كل واحد يطلع بطاقته»، وبمجرد أن اكتشف أن سالم هو وراكب آخر من الشيخ زويد، أخبر الضابط بصوت مرتفع «فيه اتنين هنا يا باشا من الشيخ زويد»، يحكى سالم عن سعادة الجندى بعد اكتشاف أن محل إقامتهما فى الشيخ زويد، وكأنه قام بالقبض على إرهابى هارب من الشرطة، قبل أن يرد عليه الضابط أشار الجندى لنا بالنزول من السيارة، مطالباً سائقها بالانصراف، لتبدأ سلسلة من الاستجوابات عن سبب السفر إلى القاهرة ثم عودتنا، ويقوم بتصوير البطاقة باستخدام الموبايل الخاص به، ثم يسمح لهما بالانصراف، «أنا مش عارف هو وقّفنا ليه؟ ومشانا ليه؟».
محافظة شمال سيناء التى تنقسم إلى ستة مراكز «بئر العبد، العريش، نخل، الحسنة، الشيخ زويد، رفح» وتمتد على مساحة 27.5 كم، يعتبر أكثرها خطورة مركز الشيخ زويد الذى تتمركز فيه الجماعات الإرهابية، ثم منطقة الوسط التى تضم مركز نخل والحسنة، التى تضم بعض الخارجين على القانون، وشهدت فى عام 2010 مواجهات مسلحة مع قوات الشرطة، يرى سعيد عتيق، الناشط السيناوى، أن هذه المناطق تحتاج إلى التنمية الشاملة فى مجال البنية التحتية وتوفير الخدمات اليومية لقاطنيها، وفرض سيطرة الدولة عليها، حتى يتحقق فيها الاستقرار الكامل، معتبراً أن الإرهاب الذى عانت منه منطقة الوسط والشيخ زويد بسيناء كان نتيجة الإهمال الذى استمر طول فترة الحكم المباركى، بالإضافة إلى الفراغ الأمنى الذى عانت منه المنطقة منذ أحداث ثورة 25 يناير، موضحاً أن خطورة ذلك سوف تنعكس على الأجيال المقبلة فى سيناء فى ظل الظروف القاسية التى يعيشون فيها.
«مافيش حد بيدافع عن مجرم أو قاتل» بهذه الكلمات يبرئ سعد الشريف، المقيم بمدينة العريش، ساحة أهالى سيناء من المشاركة فى العمليات الإرهابية أو التستر على المشاركين فيها، خصوصاً أن الأماكن التى يتم تفخيخها من قبل العناصر الإرهابية تؤكد التقارير الأمنية أنها تخضع لعملية تمشيط كاملة من قبل رجال الأمن، ولذلك الجميع يؤثر السلامة ويتجنب الدخول فى أى مشاكل سواء مع قوات الجيش أو هذه العناصر الإرهابية التى تهدد من يتعاون مع الجيش بالقتل، رافضاً التعامل مع أهالى سيناء كخارجين على القانون أو إرهابيين، لأنهم هم من يتحملون المعاناة الأكبر فى هذه الحرب الدائرة فى سيناء منذ أكثر من عامين، فى المقابل من يثبت تورطه ولو بالتستر على العناصر الإرهابية لا يتم التهاون معه.