في ديسمبر من 2014 المنصرم، أصدر مركز «هردو» للتعبير الرقمي تقريرا بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، أكد من خلاله أن للفساد أثر كبير في التدهور الملحوظ لمصر كدولة استشرى فيها الفساد ليسيطر على كافة أجهزة الدولة إلى أن أصبح أسلوب حياة!، وأشار التقرير إلى أن بعضًا من مؤسسات الدولة متورطة في هذا الفساد بكافة أشكاله وصوره.
وأكد التقرير أن الفساد أدى إلى زعزعة الاستثمارات الأجنبية وعرقلة النمو وزيادة الفقر، وأن العجز عن مكافحته قوض الديمقراطية، أدى إلى زعزعة الثقة بالحكم وبمصداقية الحكومة، لافتا إلى أن الفساد أدى إلى زيادة نسبة البطالة، وأضعف الدورة الاقتصادية والإنتاج الوطني بسبب إهدار الثروة العامة أو توزيعها في عمليات الفساد.
وأشار إلى أن الفساد صنع عدم المساواة بين المواطنين لأن بعضهم سيحظى بمعاملة خاصة وتسهيلات معينة لعلاقاتهم الشخصية أو لانتماءاتهم الحزبية أو الطائفية أو القومية وغيرها أو لقدرتهم على دفع الرشاوى، أو تحويل الانتخابات إلى وسيلة لوصول الفاسدين إلى مراكز السلطة من اجل ضمان حماية أعمالهم الفاسدة وزيادة دخلهم وثرواتهم غير المشروعة.
ومن هذا المطلق دعونا نقول أن «العشوائية» ليست مجرد كلمة عندما نقرنها بشعبنا الطيب بطبعه العاطفي في قراراته، «المتواكل» في جُل أموره الحياتية، لذا لنا وقفات ووقفات عندما نمزج هذا بذاك، ففي السطور القادمة ما يدل على أننا شعب مارس العشوائية وتمادى فيها بل «ومات في دبادبها» إلى أن أصبحت تمثل له «أسلوب حياة»!!
قصة الرجُل «الستيني» وابنه «العشريني».. في قطار «القاهرة - الإسكندرية» المنطلق من محطة مصر «رمسيس» جلست في إحدى عربات القطار بجانب رجُل في العقد السادس من العمر وكعادتنا كمصريين دار حديثا بيننا عن الحياة ومشاكلها.
«الستيني» إنت شغال في إيه يا ابني؟ شغال صحفي يا حاج .. كنت فاتح وقتها «اللاب توب» وكان في خبر عاجل «انفجار بإحدى محطات المترو».. الرجُل أصابه حالة من الذهول قائلًا «ابني شغال في المترو» وسرعان ما اتصل به واطمئن عليه وبالفعل كان بصحة جيدة ولم يصيبه أذى.. المشكلة ليست في الانفجار!!.
المشكلة بدأت عندما سرد لي الرجُل «الستيني» موقف حدث مع ابنه «العشريني» الذي لا يكاد يتخطى الشهر الأول له في عمله بمرفق «مترو الأنفاق» هذا الموقف قد نراه طبيعيا في مصر لأنه يكاد يحدث بشكل يومي في كل المجالات.. قال لي الرجل الستيني أن ابنه أبلغه بأن أحد الأشخاص عرض عليه «رشوة» مقابل إنجاز مصلحة له، الأمر الذي أثار اشمئزاز الشاب العشريني والذي صمت عن الموقف حتى سرده لوالده الذي نصحه بدوره بعدم قبول هذه «الرشوة» وأن يتقي الله في عمله لكي يبارك الله له في حياته.
مشهد آخر من التصرفات العشوائية التي طالما تراه يحدث يوميا وأنت ذاهب إلى العمل أو الجامعة إذا كنت طالب.. هذا الشخص الذي يقبع فوق سطح القطار وهو يسير أثناء الرحلة على الرغم من وجود أماكن فارغة داخل عرباته، هذه الخصلة التي أصبحت تمثل متعة خاصة للبعض ولا نعلم ما المتعة أو التميز في مثل هذا التصرف.. وذاك الشخص الآخر الذي يخرج أو يدخل بنفس الطريقة من شباك الميكروباص أو الأتوبيس في المواصلات العامة أو حتى القطار اختصارا وانجازا للوقت وتفادي الزحام.
تصرف آخر تراه يحدث في هذه الأيام وهو الأكثر غرابة وعشوائية، وذلك حين يتجمع العشرات حول قنبلة ما في أحد المناطق في مشهد عبثي غريب ومريب لن تراه في أي مكان في العالم سوى في مصر، وكذلك التجمع حول الحوادث والاشتباكات وكأنهم يشاهدون فيلما سينمائيا في دار عرض "الشارع للجميع"، وكأن هذه الأماكن هي أماكن احتفالية وليست أماكن خطرة ويجب تجنبها وعدم السير فيها.
هذه التصرفات وغيرها من قائمة لا حصر لها من الأفعال الغريبة التي يقوم بها المصريين ليل نهار جعلت الإنسان المصري يتميز عن باقي شعوب الأرض راسخا حقيقة كارثية ولسان حاله يقول .. «عشوائي بطبعي»!!.