تأمل أى صورة لفاتن حمامة، أو شاهد لها أى فيلم وثق بأنك من أول لحظة ستقف إلى جانبها وتتحمس لها، لا لجمالها وأناقتها ولا لأى اعتبار يتعلق بالجنس أو الإثارة، ففاتن ليست من ممثلات الجنس، ولكنها فى رأيى من ممثلات نوع آخر، ممثلات العطف.
الشخصية التى ظهرت بها فاتن فى أفلامها، ولاقت نجاحاً مدوياً هى شخصية الفتاة الضعيفة التى تحيا فى ظل ظروف قاهرة أقوى منها ومن كل قدراتها وحيلها الشخصية السلبية التى لا تؤذى أحداً، ولكن الناس والمقادير هى التى تجور عليها وكل ما تفعله حينئذ أن تتألم أمام المتفرجين لتجسد مأساتها.
شخصية لا تطارد ظالماً حتى تقهره.. ولا تجرى وراء قضية وتصر حتى تكسبها ولكنها تظل طوال الرواية كالعجينة التى تنغرس فيها الأحداث وتعتصرها المواقف وتسحقها الأقدام، ولهذا فهى دائماً مريضة أو يتيمة أو تعانى من زوجة أب، دائماً شهيدة تتعذب كفقراء الهنود على مسامير كتاب السيناريوهات والقصص.
وقد يقول البعض إن فاتن لا ذنب لها فى شخصية كهذه، فهى تؤدى ما يعهد إليها به من أدوار، وهذا صحيح لو كان هذا قد حدث فى رواية واحدة أو دور واحد.. ولكن هذه الشخصية هى الشخصية التى تظهر بها فاتن فى السينما، وفى كافة أدوارها حتى دورها الناجح فى «دعاء الكروان» كان من نفس اللون.
شخصية قد أصبحت طابعاً لها، مثلما أصبح النواح طابعاً لفريد الأطرش فى كل أغانيه حتى المرحة منها، والحقيقة التى لا جدال فيها أن فاتن قد برعت فى أداء هذه الشخصية براعة دفعت الكل للإجماع على أنها ممثلتنا الأولى بلا منازع، ولكن فن التمثيل ليس هو فن أداء الأدوار أداءً متقناً، هو أولاً فن خلق الأدوار والشخصيات وتجسيدها بكامل أبعادها.
الدور المكتوب فى أى رواية ليس إلا مجرد قوس يرسمه المؤلف.. والممثل الموهوب هو القادر على أن يكمل القوس ويجعل منه دائرة تحيط بالشخصية كلها من أصغر تصرفاتها إلى أعنفها.
فاتن ترسم الأقواس المكتوبة ببراعة منقطعة النظير ولكنها تظل أقواساً، بل تتشابه لتصبح فى النهاية قوساً واحداً أو شخصية واحدة ظهرت بها فاتن فى السينما، وظلت تتذبذب حولها.. قد تختلف، ولكنها أبداً لا تتغير فهى دائماً فاتن التى تحب المأساة وتحمل هموم الدنيا فى صدرها.. والغريب أنها شخصية مختلفة تماماً عن شخصيتها الحقيقية، فهى فى الحياة إيجابية منطلقة تلعب البريدج وتكسب وتريد الشىء وتناله وتختار الشخص وتتزوجه، ولكنها فى أفلامها لا تختار ولا تنطلق ولا تثور ولا رأيتها مرة تضحك ضحكة صافية من أعماق قلبها.. اللهم إلا دورها فى فيلم «يوم سعيد» الذى أدته وهى طفلة ببراعة منقطعة النظير وبكل نزق الأطفال وعفرتتهم ومكرهم.. أما أدوارها كلها وهى كبيرة فهى أدوار عطف.. والعطف ليس عيباً، ولكنه طريق سهل لإثارة المتفرجين وإثارة العطف وحده.. مثلها مثل إثارة الضحك وحده أو الجنس وحده.. زوايا واحدة.. وكما أن النظر إلى الحياة من خلال زاوية واحدة خطأ، فكذلك تجسيد الحياة درامياً من خلال عاطفة واحدة خطأ أكبر.
فاتن عبقرية سينمائية، ولكن لماذا هذه النظرة المستدرة للعطف لماذا هذا اللعب على شفقة المتفرجين، لماذا لا تؤثر فى الناس عن طريق حركتها فى خلق الشخصية بدلاً من التأثير عن طريق ما تقاسيه وتعانيه؟
لماذا لا تترك التمثيل بكل ضعفها كامرأة وتمثل بكل قوتها وكامرأة أيضاً؟!