فاتن ومصر.. عندما يتقابل الوجهان

كتب: سماح عبدالعاطى

فاتن ومصر.. عندما يتقابل الوجهان

فاتن ومصر.. عندما يتقابل الوجهان

آن للأضواء أن تنطفئ، وللأصوات أن تخفت، وللحركة أن تستقر وتستكين، فها هى السيدة الكبيرة قد رقدت، وشدت على جسدها النحيل إزارها، ستطول رقدتها للأبد، لن تظهر بعد ذلك فى لقاءات نادرة قصيرة تتحدث فيها عن مشوارها الفنى أمام كاميرات السينما التى أثرتها بأعمالها الرائعة، ولن تجتمع مع أبناء وسطها فى مقابلة لرئيس الجمهورية فيترك كل شىء ويهبط من علٍ ليصافحها فى سعادة بادية، لن تصرّح للصحف ولا للفضائيات فى السياسة والشأن العام، لن تتابع ما يجرى فى الوسط الفنى، لن تبدى إعجابها بنجمة أو ممثل، لن تستمع للجديد فى الغناء، أو حتى تعود فتستمع للقديم منه، كل ذلك صار فى حكم الماضى من الزمن، بعد أن غيّبها الموت مساء أمس الأول، وأصبحت فى عداد الراحلين. «فاتن حمامة»، أو «سيدة الشاشة العربية»، أو «سيدة السينما»، تعددت الألقاب والأسماء للشخصية نفسها، الممثلة ذائعة الصيت التى طبقت شهرتها الآفاق منذ أن أطلّت للمرة الأولى على جماهير مصر والوطن العربى فى عام 1940 من خلال فيلم «يوم سعيد»، لم تكن وقتها قد جاوزت التاسعة من عمرها حين اختارها المخرج «محمد كريم» لتواجه المطرب الشهير «محمد عبدالوهاب»، بعد أن شاهد صورة لها وهى ترتدى زى ممرضة، لاحقاً ستشاهد «فاتن» نفسها وهى تؤدى الدور بعد أن كبرت وصارت ممثلة محترفة، ستسجل الكاميرات التليفزيونية تعبيرات وجهها المندهشة وهى ترى تلك الطفلة الصغيرة تتنقّل فى خفة ولطف باديين، ستعبّر فى اللقاء عن دهشتها وهى تعلق على المشاهد القديمة: «اكتشفت إن ابنى طارق فيه شبه كبير منى لما كنت صغيرة»، تبتسم المذيعة وتواصل تقديم برنامجها. بأدوات تبدو للبعض محدودة اخترقت «فاتن أحمد حمامة» المولودة فى عام 1931 عالم السينما، لم تكن الفتاة الصغيرة تجيد الغناء أو الرقص، بضاعتها الوحيدة هى الإحساس وإجادة التقمص، بدا التحاقها بأول دفعة تدرس فى معهد الفنون المسرحية مجرد تحصيل حاصل، يشهد بذلك أستاذها زكى طليمات، مؤسس المعهد وممثل المسرح الشهير، كما تشهد موهبتها التى راحت تتدفق بسهولة ويسر عبر أدوار صغيرة فى سينما الأربعينات، أدوار الفتاة المقهورة المغلوبة على أمرها، هكذا كانت مصر فى تلك الفترة، بلداً يقوده ملك يتحكم فيه كما يحلو له، لا سبيل للخلاص من الفساد الذى يزكم الأنوف، تستكين البلاد كما تستكين «فاتن» فى أفلامها، قبل أن تأتى الخمسينات بالانفراجة للاثنتين «فاتن» ومصر. مع تباشير ثورة عام 1952 ترتدى البلاد ثوباً جديداً بعد أن يرحل الملك، وتعلن الجمهورية، هكذا راحت «فاتن» تختار أدوارها بعناية، كما يليق بشابة صغيرة فى مجتمع يضع قدمه على أول طريق الحرية، هى الآن زوجة للمخرج «عز الدين ذو الفقار» وأماً لابنته «نادية»، سيُخرج لها «عز» أفلاماً متميزة، قبل أن تنفصل عنه وتتزوج من الممثل «عمر الشريف» وتنجب له «طارق»، ثم تنفصل عنه فترتبط بزوجها الأخير الدكتور «محمد عبدالوهاب»، ستتعاون «فاتن» مع عدد من المخرجين فيضعون بصمتهم فى مشوارها الفنى، ستشكل ثنائياً فنياً مع المصور السينمائى وحيد فريد، ومع المخرج هنرى بركات الذى يخرج لها أروع أفلامها، ستحمل للعالم صورة مصر الجديدة فى أفلام تجسد مراحل هامة من عمر الوطن، ومن عمرها هى نفسها. عشرات الأفلام قدمتها «فاتن» للسينما، جسّدت خلالها أدوراً يصح أن يشاهد فيها الناس انعكاساً لصورة مصر فى الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات أيضاً، مصر التى تقلبت بين الرؤساء، فانتقلت من علٍ إلى أسفل، ومن الرخاء إلى الشدة، هكذا بدت «فاتن» فى أدوار «عزيزة» فى فيلم «الحرام»، و«عيشة» فى «يوم حلو ويوم مر»، و«ليلى» فى «الباب المفتوح»، و«فايزة» فى «لا وقت للحب»، و«هدى» فى «أيامنا الحلوة»، و«حميدة» فى «صراع فى المينا»، و«آمال» فى «صراع فى الوادى»، و«فاطمة» فى «الأستاذة فاطمة»، و«آمنة» فى «دعاء الكروان»، و«منى» فى «الخيط الرفيع»، وحتى فى أدوارها على الشاشة الصغيرة مثل «ضمير أبلة حكمت»، و«وجه القمر»، كانت «فاتن» تعكس أوضاعاً يعيشها الناس، وتعيشها معهم مصر، ولم يكن غريباً أن يتوّجها الناس «سيدة»، ليس لـ«للشاشة العربية» فقط، ولكن للقلوب التى ستفتقد «السيدة الكبيرة» إلى الأبد.