أمام أحد المخابز، يصطف طابور طويل يتمدد كل دقيقة، يتصبب الواقفون فيه عرقاً، فتتساقط قطرات العرق لامعة، قبل التحامها بالتراب بأشعة الشمس الساطعة، يمل الواقفون من الانتظار، وتتعب أقدامهم من الوقوف، فيرفعون إحداها وينزلون الأخرى، وتنشب بين الحين والآخر مشاجرة يتلاسن فيها المتشاجرون، ثم تبدأ اللكمات والركلات، وأحياناً العصى والسلاح، فيسقط الضحايا فى سبيل رغيف العيش، يتكرر المشهد كل صباح أمام المخبز، حتى سئم الباحثون عن الخبز من صعوبة الحصول عليه، فخرجوا إلى ميدان التحرير وكان الهتاف: «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية»، وبعد 4 سنوات، تستطلع «الوطن» آراء الخبراء فى مدى تحقيق الكلمة الأولى فى شعار الثورة: «العيش».
وقالت الدكتورة سلوى شعراوى جمعة، أستاذة الإدارة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بجامعة القاهرة إن شعار العيش لم يتحقق على الرغم من اتباع الحكومة نظاماً جديداً لتوزيعه على المواطنين، باستخدام البطاقة التموينية، الذى يهدف إلى ترشيد الدعم، فهناك الكثيرون ممن ليس لهم بطاقات تموينية، وبالتالى أصبح هناك أشخاص قادرون على الحصول على الخبز، وآخرون لا يستطيعون الحصول عليه.
وتضيف: «وده خلانا نرجع لأيام الحرب العالمية لما كان الأكل بيتوزع بالبونات، ولازم العيش ما يكونش بالبطاقة، ومش هو ده اللى هيعلم المصريين الترشيد».
وتلفت النظر إلى أن قضية الخبز كانت محل اهتمام الحكومات المتعاقبة، وأن الجميع اقترح العديد من الحلول لحل المشكلة، إلى أن قامت الحكومة الحالية بتنفيذ منظومة الخبز، كما تقدمت بمشروع عملاق لإنشاء صوامع للقمح فى دمياط، معتبرة أن الاعتماد على فكرة الحاويات ليست جيدة لاحتمالات التأخير فى الوصول كما حدث فى أزمة الأنابيب الحالية.
وترى «شعراوى» أن «العيش» فى حد ذاته لم يكن هو المقصود، وإنما هو رمز لوضع اقتصادى متدهور نتج عنه العديد من المشكلات كالبطالة والفقر والجوع، ومن ثم تحول «العيش» فى يناير إلى رمز للحياة الكريمة والمطالب الأساسية، وأنه على مدار التاريخ ظل «العيش» يعبر عن الحاجات الأساسية فى حياة الشعوب، ففى الثورة الفرنسية عندما قيل للملكة مارى أنطوانيت، آخر ملكات فرنسا «الناس مش لاقية تاكل عيش»، ردت قائلة: «مش لاقيين ياكلوا عيش، خليهم ياكلوا جاتوه».
وتقول الدكتورة نهى بكر، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أن ثورة 25 يناير قامت بسبب الرغبة فى تحقيق حياة كريمة، وأن شباب الثورة استعملوا العيش للتعبير عن حياتهم القاحلة، التى تمثلت فى عدم توافر أدنى مقومات الحياة وهى العيش، فقد أرادوا أن يقولوا من خلال هذا الشعار، إنهم يعيشون فى بؤس بسبب الفساد، الذى استشرى فى نظام مبارك، لدرجة جعلتهم فاقدين حتى للخبز، الذى تقف للحصول عليه طوابير طويلة، ويموت فى سبيله العديد من الفقراء.
وتضيف أنه بعد مرور 4 سنوات من الثورة فشلت الحكومات المتعاقبة فى إصلاح منظومة الخبر المتهالكة، ولكن مع نجاح الحكومة الحالية فى ضبط المنظومة من خلال النظام الجديد، يتجدد الأمل فى إصلاح العديد من المجالات فى مصر، وأن يصل الدعم إلى مستحقيه.
وترجع «بكر» عدم تحقق «شعار العيش» أو غيره من شعارات الثورة، إلى أنه كانت الأولوية فى هذا الوقت للوضع الأمنى المضطرب، ولكن الآن وبعد تحقيق الاستقرار للوضع الأمنى بدأت شعارات الثورة تطبق واحداً تلو الآخر، ومع ذلك فإن الطريق للقضاء على الفقر، الذى رُمز له بالخبز ما زال طويلاً، والشباب يملك تطلعات عالية تختلف عن الوضع الاقتصادى، الذى انهار بعد الثورة، فالشباب كانت لديهم قناعة بأنهم ما داموا استطاعوا أن يقوموا بثورة وتغيير نظام، فإن بإمكانهم أن يحققوا أى شىء، وتناسوا بأن الهدم يختلف عن البناء، الذى يحتاج إلى تضافر جميع الجهود والخبرات، وهو ما جعلهم يشعرون بالغربة، ومن ثم أصبحوا يحتاجون إلى إعادة الاندماج فى المجتمع، وإعطائهم دوراً أكبر فى اتخاذ القرارات وتنفيذ شعارات ومطالب الثورة.
ويرى عصام الشريف، المنسق العام للجبهة الحرة للتغيير السلمى، أن شعار العيش لم يتحقق لاختطاف الإخوان للثورة، والحالة الاقتصادية التى تعانى منها البلاد والتى تسببت فى عدم تحقيق شعارات الثورة، ولكن الواقع يقول إنه قد أتى رئيس له شعبية جارفة، وهذا الرئيس قد تآكلت شعبيته بعض الشىء، ولكنه ما زال يحتفظ بالأغلبية، ولذلك يجب أن يصبر الشعب على الرئيس حتى يستطيع أن يحقق شعار «العيش».
ويضيف أن رافعى شعارات ثورة يناير فى تناقص مستمر نتيجة التضارب فى الرؤى بين القوى المدنية وبحث الأحزاب عن مصالحها الضيقة، وبالتالى فإن المطالبة بتحقيق هذه الشعارات تشهد تراجعاً كبيراً وهو ما انعكس على أداء الحكومة التى قلما تذكر شيئاً من مطالب الثورة وشعاراتها فى الإعلام، وبالتالى فشعار «العيش» وغيره من الشعارات تحتاج إلى تكاتف القوى المدنية وتوحدها وعودة التنظيم الثورى من أجل الضغط على الحكومة لتنفيذها وتحقيقها.