منذ أن خرج اللواء عمر سليمان فى الحادى عشر من فبراير 2011، معلناً تنحى «مبارك» عن حكم البلاد، تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون الحكم فى مصر. حاول المجلس وقتها أن يبين مساندته للثورة والثوار فى بداية اندلاع الثورة. اتضح فى البداية أن نقل السلطة للمجلس العسكرى بعد تنحى «مبارك»، هى خطوة إيجابية، سادت حالة من الاقتناع بأن المؤسسة العسكرية فى ذلك الوقت، سوف تحمى الثورة، حتى تعمل على بناء دولة ديمقراطية، لكن الأمر لم يسر على هذا النحو بعد ذلك.
كان الوفاق هو السمة التى بنيت عليها العلاقة فى البداية بين المجلس العسكرى والشعب، خاصة بعد إلقاء اللواء محسن الفنجرى، أحد أعضاء المجلس العسكرى، أول بيان للجيش عقب تنحى «مبارك»، مؤدياً التحية العسكرية لشهداء الثورة، ثم قام المجلس العسكرى فى 13 فبراير بتكليف حكومة أحمد شفيق باستكمال عملها، الأمر الذى قابله الثوار بالرفض، لأن «شفيق» كان معيناً من قبل «مبارك»، ثم عمل المجلس العسكرى على إصدار إعلان دستورى، أعلن فيه عن حل مجلسى الشعب والشورى، وتعطيل العمل بدستور 71، والعمل على تشكيل لجنة لتعديل بعض مواد الدستور، وهو ما أقره المجلس العسكرى بمفرده، دون الرجوع إلى القوى الثورية والتيارات السياسية، مما أثار حالة من الانقسام فى الشارع، بين تعديل الدستور، أو العمل على وضع دستور جديد، وهنا كان بداية مرحلة الصراع بين المجلس العسكرى والقوى الثورية، حتى تسليم السلطة فى يونيو 2012.
فى ذلك الوقت أعلن المجلس العسكرى، أن وجوده فى الحكم لن يزيد على 6 أشهر فقط بصفة مؤقتة، تم ذلك خلال اجتماع عقده المجلس العسكرى مع ائتلاف الثورة فى 28 فبراير 2011، ناقش خلاله وضع جدول زمنى لتسليم الحكم، إلى سلطة مدنية منتخبة، حتى إنه تم تحديد موعد إجراء الانتخابات البرلمانية فى يونيو 2011، والانتخابات الرئاسية فى أغسطس من نفس العام.
جاء يوم 19 مارس، الذى تم فيه إجراء الاستفتاء على الدستور، ومنذ تلك اللحظة انقسم الشارع المصرى، بين مؤيد ومعارض، يرى المؤيد أن ذلك سوف يحقق الاستقرار بصورة عاجلة خلال عدة أشهر، أما المعارض فكان يرى أن وضع دستور جديد للبلاد، هو ما يضمن ترسيخ دولة ديمقراطية قائمة على سيادة واحترام القانون، وجاءت نتيجة الاستفتاء، بالموافقة على التعديلات بنسبة 77٫5%، وكان هذا هو أول الأخطاء الكبرى التى تسبب فيها المجلس العسكرى، خلال المرحلة الانتقالية.
يقول الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية: «المجلس العسكرى لم يكن فى وضع المفاجأة لما حدث فى 25 يناير، فيما أخذ موقفاً محايداً وقت الثورة، حتى أصبح وجود مبارك غير مرغوب فيه، فاتخذ المجلس العسكرى جانب الشعب، لكن على الناحية الثانية، لم يتخذ المجلس العسكرى أى موقف تجاه موقعة الجمل والتصدى لها».
يوضح أستاذ العلوم السياسية أن بداية الأخطاء الحقيقية التى وقع فيها المجلس العسكرى، وأدت إلى إضعاف المطالب الرئيسية للثورة، هو تشكيل لجنة تعديلات الدستور، ودعمه فيها التيار الإسلامى السياسى، المتمثل فى الإخوان المسلمين والجماعة السلفية، وكأن المعركة بدت فى تلك الفترة صراعاً بين الدولة المدنية والدولة الدينية وتطبيق الشريعة، مشيراً إلى أنه بدلاً من وضع دستور جديد، طرح فكرة الإعلان الدستورى، بعد أن تم إلغاء دستور 71، وهو ما لم تقبله القوى المدنية، التى وقف أمامها التيار الإسلامى، كأنها تدعو إلى الإلحاد، حينما طالبوا بإقامة دولة مدنية.
فيما يقول الدكتور جمال عبدالجواد، أستاذ العلوم السياسية: «المرحلة الانتقالية التى مرت بها مصر، عقب تنحى «مبارك»، تعد أسوأ مرحلة انتقالية من الممكن ذكرها عقب اندلاع الثورات، فالمجلس العسكرى كانت لديه فرصة فى نقل السلطة، بانتقال ديمقراطى حقيقى، عقب قيام الثورة وأخذ موقع القيادة».
يوضح «عبدالجواد» أن المجلس العسكرى كانت مهمته الأساسية التى كان يجب أن يقوم بها هى تنظيم التفاوض بين القوى المتنازعة على المشهد السياسى، والتى انقسمت إلى 3 أطراف، هى: قوى النظام القديم، وشباب الثورة، وتيار الإسلام السياسى، فكان يجب عقد مصالحة مع من لم يتورطوا فى إفساد الحياة السياسية، وعدم الإقصاء الكلى لكل العناصر الموجودة فى المشهد السياسى، وهو ما لم يقم به المجلس العسكرى».
يرى «عبدالجواد» الخطأ الأكبر الذى قام به المجلس العسكرى، هو إجراء استفتاء 19 مارس، وبداية انفراده بأخذ القرار دون النظر إلى كل الأطراف السياسية المختلفة، ومنذ تلك اللحظة، تسبب المجلس العسكرى فى انقسام القوى السياسية وتفريقها، والنزاع بين القوى المدنية وقوى التيار الإسلامى السياسى، لكن المجلس العسكرى لم يحقق مكاسب من هذه الحيلة.
بدأت مراحل الصدام الحقيقى، بين المجلس العسكرى والقوى الثورية، فى أكتوبر 2011، عقب مرور الشهور التى سبقت ذلك التاريخ، وما لحق بها من أحداث وتأخير الموعد المتفق عليه لتسليم السلطة، حيث ارتكب المجلس العسكرى خطأ كبيراً، حينما استخدم القوة والعنف فى التعامل مع المطالب الخاصة بالحقوق والحريات، كانت أولى تلك الوقائع، حادث ماسبيرو يوم 9 أكتوبر، مروراً بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء.
يعلق الدكتور مصطفى فى هذا الشأن: «المجلس العسكرى ضيّق كثيراً على القوى المدنية الموجودة، وقام باعتقال بعض أعضائها، ودخل فى مواجهات عديدة مع الثوار، بداية من موقعة ماسبيرو التى راح ضحيتها العديد من المسيحيين، مروراً بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء فيما بعد، وهو ما أدى إلى خروج شعار «يسقط حكم العسكر»، موضحاً أن المجلس العسكرى، عمل على تشويه صورة ثوار يناير، وكان ذلك بمساعدة الإعلام، وفى النهاية قام بتسليم السلطة، لمن لم يكن لهم دور فى الدعوة للثورة منذ اليوم الأول».
ويوضح «مصطفى» أن المجلس العسكرى رفض الاقتراح المقدم خلال تلك الفترة، بتشكيل مجلس رئاسى مدنى، تكون عناصره شخصيات مدنية وعسكرية، لكنه رفض، حتى لا يشاركه أحد فى إدارة البلاد خلال تلك المرحلة.
فيما يرى الدكتور جمال عبدالجواد أن المجلس العسكرى حاول أن يضع تصوراً أنه الأذكى من كل الأطراف، ففى كل الأحداث التى كانت تحدث فى الشارع، كان المجلس العسكرى يخرج منها مكللاً بالخسارة، لم يكن لديه هدف واضح فى إدارة المرحلة، فكل ما كان يريده هو أن يضع كل الأطراف فى صراع مع بعضها بعضاً، حتى يظل هو الطرف الناجح فى النهاية، مشيراً إلى أنه لم يكن يتصور أن المجلس العسكرى لديه نية فى نقل السلطة، إلا بعد الإجراءات الاضطرارية التى اتخذها، عقب الضغوط التى تعرض لها، من كل الأطراف، فجميع قراراته كان مضطراً لها دون وجود مبادرة حقيقية لنقل السلطة.
عمل المجلس العسكرى بعد ذلك، على امتصاص الغضب الصادر ضده من القوى الثورية، استجاب المجلس إلى المطالب الثورية، وأقال حكومة عصام شرف، وكلف الدكتور كمال الجنزورى بتشكيل الحكومة الجديدة، فى ظل رفض الثوار لهذا الاختيار، إلا أن المجلس لم يستجب لهذا الرفض.
بدأ فى تلك الفترة، العمل على انتقال السلطة بصورة جزئية رغم التأخير فى تسليم السلطة، حيث تم إجراء الانتخابات البرلمانية فى 28 نوفمبر 2011، وتشكيل البرلمان، الذى حصلت فيه قوى التيار الإسلام السياسى، من الإخوان والسلفيين، على غالبية مقاعد البرلمان، وهو ما مكّنهم من تشكيل لجنة تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور الجديد، لكن كان هناك تخوف من القوى المدنية، أن تكون الهيمنة للتيارات الإسلامية فى تشكيل الدستور، فعمل المجلس العسكرى على وضع مبادئ فوق دستورية، والتى تم مواجهتها بالرفض من قبل التيارات الإسلامية.
يعلق الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية، أن المجلس العسكرى أدرك مؤخراً خلال المرحلة الانتقالية، مدى انحيازه للإخوان والسلفيين، وإقصاء باقى القوى الأخرى، لكنه حاول أن يصلح ذلك عن طريق عمل المبادئ فوق الدستورية، التى وقف أمامها التيار الإسلامى فى ذلك الوقت.
كل ذلك ساعد فى وصول الإخوان والسلفيين إلى تصدر البرلمان فى مجلسى الشعب والشورى، ومن بعد ذلك الانتخابات الرئاسية.
يشير «مصطفى»، إلى أن المجلس العسكرى تأخر كثيراً فى تسليم السلطة، حتى إنه حاول تعطيل تسليم السلطة، لكن الضغوط التى كانت عليه من الشارع والضغوط الخارجية من الأمريكان، جعلته يرضخ لكل هذه الضغوط، حتى سلم السلطة فى النهاية إلى الإخوان، والذين لم يختلفوا كثيراً فى إدارة السنة الأولى من حكم مرسى، عن الطريقة التى كان يدير بها المجلس العسكرى السلطة، مما أدى فى النهاية إلى قيام 30 يونيو، لتكون تصحيح لمسار الثورة من جديد.
ازدياد حدة الصراع الدائر بين المجلس العسكرى والقوى الثورية، عن طريق التظاهرات المطالبة بتسليم السلطة، خاصة بعد أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، دفعت المجلس العسكرى إلى أن يعلن عن تسليم السلطة فى موعد أقصاه يونيو 2012 عقب إجراء انتخابات رئاسية، كما أعلن المجلس العسكرى إنهاء حالة الطوارئ جزئياً فى 24 يناير 2012، ثم نهائياً فى 31 مايو 2012.
ويواصل «مصطفى»: «على مدار عام ونصف العام، توترت العلاقة بين المجلس العسكرى والشعب، مما دفع القوى الثورية فى الخروج، رافعة شعار: «يسقط حكم العسكر»، وانتشار حملات مثل «عسكر كاذبون»، كان مهمتها رصد الانتهاكات التى مارسها المجلس العسكرى ضد الثوار خلال العديد من الأحداث».
يشير «مصطفى» إلى أنه لم تكن لدى المجلس رؤية واضحة وخارطة طريق لإدارة المرحلة الانتقالى، الأمر الذى تسبب فى حدوث هذا الخلل فى إدارة تلك المرحلة، كما ظهر الاتجاه نحو تعديل إجراء استفتاء على تعديلات دستورية، بدلاً من صياغة دستور جديد، مما أضاع فرصة لكتابة دستور جديد، كان من الممكن أن تتوافق عليه كل القوى فى ذلك الوقت، دون وقوع كل هذه الانقسامات التى وقعت بين القوى المدنية وقوى التيار الإسلامى.
ويتابع «مصطفى» قائلاً: إنه لم يكن لدى المجلس العسكرى، المبادرة فى اتخاذ قرار يحمى الثورة ومتطلباتها، حتى دفعه ضعف الخبرة فى إدارة الحياة السياسية، إلى اتخاذ العديد من القرارات التى أضاعت فرصاً كثيرة خلال المرحلة، والتعامل المفرط فى العنف ضد المطالب، التى نادت بتأسيس دولة ديمقراطية قائمة على الحرية والمساواة، وتطهير مؤسسات الدولة، كما اتبع المجلس العسكرى، نفس النهج الذى كان يسير عليه نظام مبارك، فى توجيه التهم بالعمالة والخيانة إلى الشباب.
يؤكد «مصطفى» أن المجلس العسكرى كانت تنقصه الخبرة السياسية، لذلك ساد التخبط جميع القرارات التى اتخذها أثناء المرحلة الانتقالية، وساهمت كل هذه الخطوات المضطربة فى الوقوف أمام أهداف الثورة التى جاءت من أجلها، وأخّرت وجود دولة مدنية قائمة على القانون، لكن ما حدث زاد من حدة الاضطهاد الدينى، بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما أصبح يشكل خطراً على أهداف الثورة وتحقيقها، وزيادة الصراع على السلطة، من منطلق أنه صراع على الدين، والانقسام المتزايد بين القوى المدنية والإخوان، ومحاولة الإخوان الدائم، لإقصاء الفصيل الثورى، الذى ساعده فى الوصول بعد ذلك فى الوصول إلى سدة الحكم.