هو رجل في غاية البساطة، يعمل بمهنة النقل ولكن بوسيلة بدائية على عربة من الخشب يجرها حمار، يكسب القليل ولكنه يكفي لستر عورته بثوب رث، ويحمي قدمه بنعل متعدد النوافذ جيد التهوية، يجره بأصبعين تسمع صوت زحف نعاله من على مسافة بعيدة، سليط اللسان كثيرا ولكن على حماره فقط، وأحيانا على بعض من زبائنه، من يحاولون تخفيض قيمة النقل، تراه جالسا على مقدمة عربته خلف حماره، ولا يكف عن الغناء والمواويل على طريقة المطربين الشعبيين، يضع فوق رأسه عمامة تشبه الطبق الطائر، بيده عصا مزخرفة يظهر عليها شدة اعتنائه بها.في أيام الكساد يحضر بعض الفاكهة على عربته ويصبح تاجر فاكهة، يعجبك وهو ينادي للترويج لبضاعته، فإن كان يبيع الجوافة، فتصبح قلل الشربات يا جوافة، وإن كان بطيخ يؤلف موالا بدايته: على السكين وهتقول لمين يا أكل الحلوين يا أحمر، في بعض الأحيان يصطحب أسرته بالكامل على العربة فتجد عليها جزء من مطبخ وبعض من الأوعية تستخدم لقضاء الحاجة لابنته الرضيعة، فتجد العربة بيت متنقل. هذه بعض من أيام عم جابر.وفي يوم أراد شخصية ذات حيثية زيارة الحي الذي يقطنه عم جابر ولأنه من الطبيعي قبل زيارة كل مسؤول مهم لا بد ان تُفترش الأرض بالورود وتختفي العيوب ويظهر كل ما يسر العين، وبما إن عربة عم جابر تسيء إلى المنظر العام، فكان لا بد على الفور أن يجد المسؤول لها حلا فأرسل أربعة من العساكر لموقع الحمار والعربة، والتف العساكر الأربعة حولها ونادوا على عم... وأمروه بأن يتخلص من العربة والحمار ووضعها بمكان ما حتى لا تقع عين الشخصية ذات الحيثية عليها، فهاج وغلي الدم في عروقه، ورشق العساكر بكل ما وقعت عليه يده في الأرض، وسبهم سبابا شديدا فما كان من العسكر إلا الفرار والعودة لمسؤول الحي وإخباره بما حدث، فقرر احتجاز الحمار وعم جابر وتشوين العربة بمستودعات البلدية، مرت أربعة أيام على ذلك.. قضى فيها الشخصية ذات الحيثية زيارته وابتلعت أرض الحي ورودها ورونقها وعادت لها سيرتها الأولى بعد الزيارة.. وخرج الحمار وعم جابر من محبسهما وسمح لعم جابر وحماره بالتجوال ثانية.. ولكن كانت هناك مشكلة فقد خرج الحمار هزيلا مريضا.. وأصبح لا يقوى على جر العربة..مما أفسد ذلك حال عم جابر وأصبح لا يجد قوت يومه، وعلاج الحمار مكلف جدا.وجاب الرجل كل مكاتب المسؤولين لعلهم يعوضونه عن هذا الضرر البالغ.. وكلهم كانوا أذن من طين وأخرى من عجين.وبدأ الرجل يبحث عن وظيفة غير مهنته التي ورثها أبا عن جد، لكن كانت كل الأبواب مغلقة أمامه.. وفجأة لمعت فكرة شيطانية في رأسه.يشتهر مسؤول الحي بحبه الشديد للطعام ويستطيع بوليمة أن ينل منه وظيفة تكفيه شر الحاجة وذل السؤال، وبالفعل هيأ نفسه عم جابر لذلك، لكن بقيت مشكلة من أين له باللحم الذي سيولم به.. وفجأة قفز من مكانه وقال وجدتها... ونادى على زوجته وهمس بأذنها فكادت أن تقع على قفاها من الضحك، وعلى الفور ارتدى ثوبه وانتعل حذائه وتوجه لمسوؤل الحي ورفاقه وحاشيته ودعاهم للوليمة وقال لهم: لقد رزقت اليوم رزقا وفيرا وأحببت أن تشاركوني فيه.. فما كان منهم إلا تلبية الدعوة، وبالفعل حضروا الوليمة وأكلوا حتى امتلأت بطونهم وتبادلوا النكات والطرائف والحكايات، وأثناء ذلك عرض عم جابر طلبه في وظيفة، فما كان من مسؤول الحي إلا أن أصدر قرارا فوريا على ورقة بيضاء من جيبه، وسحب من الجيب الآخر الختم الرسمي وقام بختم قراره وسلمه إياه.. وقال له رجل مثلك لا يرد له طلب أبدا..ودخل الرجل على زوجته مهللا ابشري يا امرأة لقد تم تعييني في الحي.. فقالت له وهي تبكي أشكر الحمار لولا لحمه ما كان لك وظيفة.. فقال لها: نعم وأنا سأحتفظ ما حييت برأس الحمار..