أجبرها عملها كـ«ممرضة» بمستشفى المطرية التعليمى على الوقوف صامدة أمام حالات المرضى المقبلين نحوها من كل حدب وصوب دون وهن أو ضعف، فالشابة الثلاثينية اعتادت استقبال المصابين فى مستشفى المطرية التعليمى منذ قيام ثورة 25 يناير دون ملل أو كلل. تقف على بوابات المستشفى لاستقبال الحالات التى تنقلها سيارات الإسعاف من المصابين والجرحى، محاولة تضميد جراحهم وإعطاءهم فرصة جديدة للحياة بعدما اخترقت طلقات من الخرطوش والرصاص الحى أجسادهم.. كان من بين المصابين أمين شرطة مصاب بخرطوش فى قدميه، سألته عن مكان إصابته وإلى أى مدى وصلت الاشتباكات ليرد عليها قائلاً: «اتصبت فى ترعة الغزالى».[SecondImage]
توقفت «نهى» أمام اسم الشارع الذى تسكن فيه ولم يخطر ببالها سوى «حمدى» أخيها الصغير، وقبل أن تخرج هاتفها من جيبها لتطمئن عليه، داهمتها سيارة إسعاف مسرعة، لتترك هاتفها وتهرول باتجاه السيارة لتتفحص الحالة التى تنقلها، فإذا بها ترى أخاها مصاباً بطلق نارى فى بطنه.
لم تشعر «نهى» بنفسها إلا وهى تحاول حمل شقيقها لمحاولة إسعافه، تضمه إلى صدرها منخرطة فى البكاء، تنادى عليه لكن نداءها لم يقابل بأى رد، فروح أخيها وجدت ضالتها فى الصعود إلى بارئها، لحظات مر ثقلها كالجبال لم تفق منها «الممرضة» إلا على ألم بأحد ضلوعها تبين بعد ذلك أن ضلعها كسر أثناء محاولتها حمل شقيقها.
تقول «نهى»: «حمدى كان شغال فى محل بميدان المطرية لمستلزمات الأسانسير، ومرتبه باليومية، وفى اليوم ده كان رايح شغله وأنا كنت نبطشية فى المستشفى، وبداية من الساعة 12 ظهراً لقينا الحالات بتخش علينا بطريقة هستيرية، لحد ما جه أمين شرطة مصاب فى قدميه ولما اتكلمت معاه قال إنه اتصاب فى منطقة ترعة الغزالى، وحاولت أكلم أخويا علشان أطمن عليه، ولسه بَكلّمه لقيت عربية إسعاف بتجرى، ولقيته نزل على وشه ولما قلبته اكتشفت إنه أخويا».[FirstQuote]
«الميدان كان مليان مسيرات وأخويا اتصاب، أنا مش بَتّهم حد لأنى ماشُفتش، وحتى لو اتهمت حد أنا عارفة إن حقه مش هييجى».. تصمت «ملكة الرحمة» قليلاً بعدما سمعت بأذنيها ادعاءات بانتماء أخيها لجماعة الإخوان، لتردد: «أخويا مكنش بيصلى غير الجمعة وهو مش متعلم وغلبان أوى وكان بيحب يلعب كورة وبلاى استيشن وكان بيكبّر دماغه كتير فى كل المشكلات التى تحدث فى الأسرة، ومتجوز بقاله 3 سنوات، ونفس المكان اللى عمل فيه فرحه فى الشارع اتعمل فيه عزاه بعد وفاته».
لم ينل «حمدى» حظاً من الدنيا إلا قليلاً، فكان -بحسب سيرته بين جيرانه- لا يهتم بما يحدث فى الدولة، فكان أهله وزوجته وابنه «آدم» وأصدقاؤه هم جل ثروته فيها، فقد رُزق به منذ عام، ضيق فى رزقه يكاد لا يستطيع تلبية متطلبات أسرته الصغيرة، 4 كيلومترات مسافة يقطعها الفتى يومياً ليصل إلى ميدان المطرية حتى يوفر جنيهاً لأهله بدلاً من ركوب المواصلات، بحسب شقيقته.
تأثر إخوته الـ5 بحاله البسيط دفعهم للبحث عن حق ابنه، لتقول «نهى»: «لما سواق تاكسى عربيته اتحرقت الحكومة عوضته بسيارة، لكن ابن أخويا آدم مين هيعوضه، والطفل ده ليه حق عند البلد دى ولازم ياخده، ونفسى الدولة تتكفل بمصاريف ابنه وزوجته».[ThirdImage]
«سامية» هى زوجة القتيل ومن أقربائه فى الوقت نفسه، تزوجته بعد حب دام عامين وعاشت معه 3 أعوام أخرى ورزقها الله بـ«آدم» ذى العام الواحد، تتحدث بعدما ثقل لسانها قائلة: «أنا حبيته سنتين قبل الزواج وكان حنين قوى عليّا وطيب وغلبان، وآخر مرة قبل ما ينزل يروح شغله باس ابنه وقال له (خد بالك من أمك يا آدم) وأنا قولت له هو اللى ياخد باله منى؟ قال لى (آه)».
يقطن حمدى وأسرته الصغيرة بإحدى الشقق ذات الإيجار الجديد، يدفع شهرياً قبل رحيله ما يقرب من 400 جنيه بخلاف متطلبات أسرته، يتحدث محمد أخيه قائلاً: «صاحب السكن اللى ساكن فيه أخويا عنده التزامات يجب أن ندفعها، والواد الصغير ده لحد دلوقتى مش عارف يستوعب إن أبوه مات»، لتقاطعه «نهى» مرة أخرى قائلة: «أرجوكم.. لو فى إيدكم حاجة للطفل الغلبان اليتيم ده ياريت تساعدونا لأنه هيتبهدل فى دنيته قوى».