"شاش ونقاب وعلم مصر وإغاثة سوريا".. أم كلثوم "تتحدث عن نفسها"
شامخة لم تهتز على مدار سنين، وقفت تستمع للأحاديث من حولها ولا تفصح عنها، شاهدت من علوها ما لا يراه الناظرون، ولم تتحدث عنه قط، عاصرت هدوء الأحداث وازدحامها ثم اشتعالها، حفظت الهتاف عن ظهر قلب ولو أتيحت لها الفرصة لكانت في الصفوف الأولى من المسيرة، تؤم من خلفها بـ"ما رماني رام وراح سليما، من قديم عناية الله جندي، كم بغت دولة علي وجارت، ثم زالت وتلك عقبى التعدي، إنني حرة كسرت قيودي، رغم أنف العدا وقطعت قيدي"، هذا هو لسان حال تمثالي أم كلثوم في الزمالك والمنصورة، هما عينا "الست" التي ما زالت تبصر وروحها الغائبة الحاضرة.
لم تكن أم كلثوم بمعزل عن أرواح المارين، بل كانت في قلب الأحداث معهم، تمثال حي يعي ويدرك ما يجري حوله، ينظر له كل من يمر في طيفه، ليدندن عقله مقطع ارتبط به في قلبه، ولكن "الست" تثور هي أيضا مع ثورتهم حولها، وعندما تغضب تعلو حنجرتها التي طالما ألهبت الشرق الأوسط بها، لتغني في صمت وتلهبهم في سكون، "وقف الخلق ينظرون جميعا، كيف أبني قواعد المجد وحدي، وبناة الأهرام في سالف الدهر، كفوني الكلام عند التحدي"، لتشارك هي أيضا، ومع الثائرين باتت "الكوكب الثائر".
تمثال أم كلثوم بالزمالك بالشاش
خرج هؤلاء الثائرون يضعون الشاش على أعينهم، متضامنين مع أصدقائهم ممن فقدوا أعينهم، في شارع الحرية "محمد محمود"، وعندما مروا في مسيرة بجانبها في ذاك الحي الراقي، الزمالك، شاركتهم "كوكب الشرق" آلامهم، وتم إغماض عين لتمثالها، وكأن أم كلثوم قبلت دعوتهم فزادها الشاش غضبًا مما يتعرض له هؤلاء الأشبال الذين ابتغوا الحرية، فكان جزاؤهم من نظام لا يعرف تفاوضًا هو فقء أعينهم، فتحسست عينيها وربما أدمعت ماء ورد امتزج بدماء عين فقأها القمع، ليغني قلبها بنبرة الحزن "أمن العدل أنهم يردون الماء صفوا وأن يكدر وردي".
تمثال أم كلثوم بالنقاب في المنصورة
نظام جائر رحل، ليأتي بعده نظام أكثر جورًا، وبينما تشاهد الست ما لا تستطع قوله في ميدان الثورة بالمنصورة، وتلتقط آذانها تلك الجمل الرافضة لستار الدين سعيًا للسياسة، ومحاولتهم "أخونة" المجتمع من أجل سلطة نالوها ويخشون زوالها، لم تفلت منهم هي الأخرى ونالت من الحب جانبًا، لتتفاجأ ببعضهم يكتفونها ليضعوا النقاب على وجهها، لم تستطع رؤيتهم، لم تتعرف هل كانوا إسلاميين غضبوا مما كتبه الثوار ضدهم "الميدان مش للخرفان"، خاصة وأنهم قبلها قد غطوا تمثالًا بالإسكندرية، أم ثوار أرادوا إيصال رسالة بتقييد الحريات في عصر الإخوان، وإنقاصهم لحقوق المرأة، وبين هذا وذاك، فقد عانت أم كلثوم مما يعاني منه السائرون حولها.
تمثال أم كلثوم يلتف بعلم مصر
بعدما غطى النقاب وجه أم كلثوم، عادت من جديد لطبيعتها بعدما أزيل عنها النقاب، لترتدي هذه المرة علم مصر، بعدما لفه به محبوها ممن شعروا بالسخط لفرض النقاب عليها، ليعود صوتها ثانية يغرد "نظر الله لي فأرشد أبنائي، فشدوا إلى العلا أي شد"، لتشهد مرور الأيام حولها، هتافاتهم وأحلامهم وطموحاتهم، بم ترد منهم سوى سلام، سلام يطمئن قلبها الساكن في العراء، ويبتعد عنها وعن أبنائها هؤلاء المتحولون والجائرون، وصوتها متمنيا "ارفعوا دولتي على العلم والأخلاق، فالعلم وحده ليس يجدي".
تمثال ام كلثوم بعلم سوريا
لم تهتم كوكب الشرق التي طربت لها آذان العرب أجمع، بشأنها وشأن بلادها فقط، بل رفضت الدم أجمع وحاربت الظلم أيا كان موطنه، فوقفت في المنصورة تلتف بعلم سوريا، تساند شعبها ونساءها وأطفالها، ممن تسيل دماؤهم ولا يجدون من يسعفهم، تجمع لهم تبرعات مادية أو طبية أو حتى غذائية، بعدما عانى هذا الشعب من أنياب الأسد التي غرزت في جسده، لتتواصل "الست" مع لجنة الإغاثة الإنسانية والسورية تساعدهم وتساندهم، مرددة "أمن الحق أنهم يطلقون السد منهم وأن تقيد أسدي".
مواقف عدة وتاريخ كانت أم كلثوم شاهدة عليه، وما زالت تختزن بين ثناياها الساكنة، آلاف الأحداث والشهادات، لا يهمها سوى بلادها ووطنها العربي، تحتضنه في برده، تدفئه بصوتها، وتقف خلفه بهتافها الذي يسمعه القلوب، وطالما وقفت وتقف تردد أبدًا كلمات حافظ إبراهيم "نحن نجتاز موقفا تعثر الآراء فيه، وعثرة الرأي تردي، فقفوا فيه وقفة حزم، وارسوا جانبيه بعزمة المستعد".