فى منتصف شارع 23 يوليو، الأشهر فى مدينة العريش، تستقر «أعطال هندسة كهرباء العريش»، غرفة تملأها اللوحات الكهربية الممهورة بكلمات «خطر ممنوع الاقتراب»، يجلس «أحمد الكاشف» خلف مكتب خشبى قديم، وتلفاز صغير للغاية، ومن خلفه قطعة قماش وقبلة مصلى، الرجل يعمل كأحد فنيى الكهرباء بمحطة كهرباء العريش، ولا يبرح موضعه طوال الليل، فربما انقطعت الكهرباء على أحد الأحياء فيضطر إلى التوجه إليها لإعادة التيار وإصلاح العطل: «مش هيبقى الناس محبوسة فى بيوتها بسبب الحظر وكمان ينقطع عليهم النور وما يلاقوش حد يصلحه»، ليس ذلك كل الأمر فحين يدوى صوت الانفجار بين أرجاء المدينة على «الكاشف» أن يستعد، فمع كل عمل إرهابى تنقطع الأنوار عن موقع الحدث، وعليه ورفاقه أن يتوجهوا مسرعين إلى هناك ليعيدوا التيار وسط الاشتباكات وإطلاق النيران المتبادل.
«حين يحدث العطل فإن على «أحمد الكاشف» الاتصال بالشرطة أولاً، إذا كان العطل داخل البلد، أما إذا كان خارجها فعليه الاتصال بالجيش، وهو لا يجد فى الحظر خطراً أكبر من الإرهاب نفسه: «ما نقدرش نقول لا للحظر.. نقول يا رب نخلص من التكفيريين أولاً»، لا يخرج «الكاشف» ورجاله فى الحظر سوى للأعطال الجسيمة: «ما أقدرش أخاطر برجالتى إلا لو فيه عطل كبير»، ويكون السلم الذى يرتفع من سيارتهم دليلاً عليهم، يؤمنهم قبل قوة التأمين من طلقات الكمائن الطائشة.
أكثر الأوقات التى يشعر فيها «الكاشف» بالخطر حين يكون هناك عطل خارج المدينة فى الصحراء ويقف وحيداً برفقة ثمانية جنود فقط من قوة التأمين، ولكن الأخطر حين يصل لموقع لتصليح العطل فتنشب اشتباكات أثناء وجوده، مثلما حدث بعد الانفجارات الأخيرة داخل الكتيبة المستهدفة ووسط الأشلاء بعد الحادث لإصلاح العطل الذى أصاب الكهرباء جراء الانفجار.. ورغم كل ذلك اعتاد على العمل فى تلك الأجواء: «مسلمينها لله، وزينا زى فرد الأمن اللى خارج وعارف إنه ممكن يموت»، ويستطرد: «اتفرض علينا واقع ولازم نتعود عليه»، وكان أكثر المواقف التى لا ينساها من الحظر حين أطلق كمين أمنى النيران على سيارته وقوة التأمين: «اتشاهدت ورميت الموضوع على ربنا».
فى أحد الأحياء عند شاطئ البحر، وعلى مقربة من كمين الميدان، يجلس المسعفون داخل غرفة الإسعاف، يجدون راحتهم نهاراً، وحين تأتى السابعة ويأتى معها حظر التجول يبدأ عملهم، فلا يكشف جهاز الإشارة عن تلقى الإشارات. رفضوا ذكر اسمائهم خوفاً من استهدافهم من قبل الإرهابيين.
ورغم ما شهدوه من مخاطر وصعاب خلال الحوادث الإرهابية التى طالت العريش، ولكن ما زالت قلوبهم ترتجف خوفاً حين يسيرون وحدهم فى شوارع العريش الخاوية بعد الحظر، لا يجدون من ذلك مفراً، فهم وحدهم من لهم حصانة السير فى الشوارع الخاوية، لينجدوا مريضاً أو مصاباً.
يقول أحدهم: «إحنا بنتعرض لمواقف صعبة كتير.. لكن برضه لسه بنخاف نمشى فى الشوارع لوحدينا»، ورغم وجودهم فى مدينة العريش التى يعتبرها الأفضل حالاً، فيقول إن زملاءهم فى رفح والشيخ زويد يعيشون فى جحيم، ولكن أكثر المواقف الصعبة التى تعرض لها حين توجه إلى حى الصفا، وهو أحد أخطر الأحياء فى مدينة العريش، وقبضت الشرطة فيه على بعض من شاركوا فى التفجير الأخير الذى طال مديرية الأمن، حسب تصريحات جهات أمنية، ويعود ليقول إن الإرهابيين استهدفوا يومها ضابط شرطة وأسرته، وأصيب حينها طفلاه، وحين وصلت سيارة الإسعاف إلى هناك كان تبادل إطلاق النيران بين الطرفين على أشده: «الضرب شغال من الجانبين وإحنا فى النص»، وقتما وصلوا إلى موضع إصابة الطفلين رفض الرجل أن يأخذوا طفليه: «خاف مننا ما فى ناس كتير بتشك فينا إننا ممكن نكون إرهابيين ومتخفين فى العربية.. ده حقهم دول استخدموا فناطيس الميه مش هيستخدموا عربة الإسعاف»، واضطروا حينها أن يسعفوا الأطفال وسط الاشتباكات المتبادلة، ولم يقف الأمر عند ذلك، فالجيش طالب الإسعاف حينها بالانسحاب لأنه سيتدخل فى الاشتباكات، وإلا سيطلق النيران نحوها.
الشك ملاصق لسيارتهم دائماً، فلا يخرج الثلاثة إلا حين يتم إبلاغ الكمائن التى سيمرون نحوها، وهذا وحده لا يحميهم، فحسب روايتهم أن الجيش يعرف أن من السهل خطف الإرهابيين لسيارات الإسعاف: «لو عايز يخطف عربية مش هيعمل أكتر من إنه يرفع سماعة التليفون ويطلبنى كأنه مريض.. وأنا هروحلهم لحد عندهم وهو يعمل فيا بقى اللى هو عايزه»، وهو ما يدفعه إلى رفض التوجه إلى أى حى من الأحياء الموجودة على أطراف العريش، فهى الأخطر حسب قوله، وحين يضطر للذهاب إلى هناك يظل ينطق الشهادتين ويقرأ القرآن طوال الطريق.