بشعرها الأشقر ووجها الصبوح، تمسك الطفلة "ملك" صاحبة الأعوام الخمسة، قطعة من الحلوى بما تبقى من قبضتها، بعدما أكلت بأسنانها صوابعها يدها اليسرى، واثنين من اليمنى، فمنذ نعومة أظافرها، وهي تقطع أصابعها بأسنانها دون أن تشعر بأي ألم، تقطعه بكل قوة وتلفظها أرضا، دون أن تشعر بقسوة فعلتها، لا تتأذى من صوت تقطيع لحم أصابعها.
يمسك "محمد صبحي" والدها بما تبقى من أصابع يدها اليمنى، حتى يحميه من أسنانها، ويقول "طول النهار قاعد ماسك ايديها انا وامها، ومش قادرين عليها"، ويقول بعينه الزائغتين لـ"الوطن": "عندها مرض نادر مفيش دكتور عارف يصفنه ولا يشوف لها علاج وبتاكل أيديها من وهي عندنا سنة".
"صبحي" غزاوي المولد والمعاش، اكتشف مرض طفلته الصغير منذ عامها الأول، حين وجدها أحد أصابعها وقد قضت عليه دون أن تشعر ولم يتبقى منذ سوى عظمة وألقت بها إلى الأرض وسط الأطفال الذي يلعبون معها: "مرض ملك إنها لا تشعر بأي وجع في صوابعها، ولو قطعت منها حته حته".[FirstQuote]
"ملك" الأبنة الكبرى لـ"صبحي"، ويقول إنها منذ ظهور أسنانها وهي تأكل في أصابعها، حتى تقطعها نهائيا، وفي مستشفيات عزة لم يجدوا لها علاج طوال 4 سنوات، ولم يكتفى الرجل بمستشفيات فلسطين، فتوجه إلى إسرائيل فأوصى الاطباء هناك بضرورة كسر أسنانها لعدم وجود علاج لذلك المرض النادر، ويقول والدها: "الدكاترة بيقولوا لي أديها مفيهاش أعصاب ولا مراكز إحساس، وده اللي بيخليها ما تحس بأي وجع لما بتاكل في صوابعها".
من غزة توجه "صبحي" إلى القاهرة، في محاولاته للبحث عن علاج للطفلة الصغيرة، ومن مستشفى لأخرى ومن طبيب لآخر، والكل يجتمع على إن المرض نادر، وأول مرة يصادفوا مثل تلك الحالة، بل واختلفوا على سبب ذلك المرض، وقالت له مستشفى "أبو الريش"، إن إلقاء المواد الكيميائية من طائرات العدو الإسرائيلي على بيتهم حينما كانت زوجته في فترة الحمل، هي السبب في ذلك المرض: "وقتها كان فيه قصف وحشي على عزة، وضربوا علينا كيماوي"، والبعض ساق له أسباب أخرى: "كل دكتور بيقول لي سبب بس مفيش حد فيهم عرف اسم المرض ده".
صبحي يتمنى لو يتجه لأوروبا في محاولات أخرى للبحث عن علاج لابنته، ولكن ضيق اليد يمنعه عن ذلك، ولم يعد أمامه سوى للقاهرة التي طاف "كعب داير" على مستشفياتها للبحث عن علاج أو توصيف واضح لمرضى ابنته، ويقول تقرير طبي صادر عن مستشفى غزة الأوروبي، إن "الطفلة تعاني من مرض نادر يتمثل في فقد الإحساس في الأطراف، وعدم الشعور بالحرارة، وكذلك ليونة في المفاصل، ولا يوجد علاج لمثل هذه الحالات حتى الآن".
يتمنى الشاب العشريني تركيب أصابع بلاستيكية لابنته "ملك" بعدما قضت بأسنانها عليهم، وبدأت في صوابع أقدامها، ولكن يقول إنه يجب العلاج من ذلك المرض قبل تركيب الأصابع الصناعية. ويشير إلى أحد الأصابع الذي قارب على السقوط من فرط نهشها فيه من أسنانها: "هي اتولدت وصوابعها مطبقة، ومع الوقت بدأت تكلهم بأسنانها ومش عارف حد يقولي عندها إيه".