أصوات الهتاف تعلو المكان، حشود من الجماهير تأتى من كل صوب وحدب، لا يحركهم سوى الحب لناديهم، ينفعلون لخسارته، يفرحون لفوزه، يسيرون وراءه فى كل مكان، حب ناديهم يسير بين دماء أجسادهم، الدماء التى سالت على الأرض، فى ملاعب كرة القدم.
1104 أيام فصلت بين مأساة مذبحة استاد بورسعيد التى راح ضحيتها 72 شهيداً من جماهير النادى الأهلى تحديداً فى الأول من فبراير 2012، والأخيرة كانت أمس الأول، فى استاد الدفاع الجوى، التى راح ضحيتها نحو 19 شهيداً من مشجعى نادى الزمالك.
3 سنوات، لم تكن كافية لوقف النزيف الذى ملأ القلوب على سقوط شباب مصر، تتكرر الواقعة، بنفس الألم مرة أخرى، فتعيش مصر ليلة دامية، تفتح جراحاً جديدة، وصراخ أمهات ثكالى، وفراقاً لن تداويه الأيام.
تغيرت الأيام والأسماء والأحلام، مباراة أخرى فى مدينة أخرى بين فريقين آخرين، النتيجة واحدة، دماء جديدة سالت على أرض ملعب كرة القدم، تاركة ذكرى سوداء جديدة، يحمل نفس الشهر «فبراير».
الدائرة تدور، تذوب الألوان والانتماءات، يوم وفاة جماهير الأهلى، التى تعاطفت معها جماهير الزمالك، جاء اليوم الذى تتضامن فيه جماهير الأهلى مع جماهير الزمالك، وتظل الدائرة مغلقة، يُمحَى اللون الأحمر للنادى الأهلى والأبيض للزمالك، ولا يبقى سوى لون الكفن والوجوه الشاحبة من الحزن.
آلاف الشباب العاشق لنادى الزمالك، ممن اشتاقوا للمدرجات، ملت حناجرهم من طول السكوت، خرجوا من بيوتهم حاملين أعلام الفريق البيضاء، مرتدين قميص النادى، واتجهوا صوب استاد الدفاع الجوى لمؤازرة الفريق يغنون «يا تى شيرت العمر يا أبيض».
وصلت الجماهير من كل جهة إلى الملعب، ثم حدث ما حدث حيث حاولت الجماهير دخول الاستاد فواجهوا الصعاب، ورفعوا تذاكر الدخول فى وجه الجنود والأسوار والأسلاك الشائكة وحديد المدرعات والقفص الغامض الذى أعاد للأذهان ذكرى البوابة الحديدية فى استاد بورسعيد، تقع اشتباكات حادة بينهم وبين قوات الأمن التى أطلقت الغاز بكثافة، محاولة إبعاد الجماهير عن الأبواب، مع ضخامة الأعداد وشدة التزاحم، باتت عملية الهروب من الغاز الخانق شبه مستحيلة، فانتشرت الفوضى واختنق مَن اختنق وسقط من سقط وأصيب مَن أصيب.
مرت دقائق تسارعت أحداثها، بينما مرت الساعات على من شاهد الموت بعينيه ومن حمل صديقه جثة غارقة فى الدماء، ومن تسارعت أنفاسه وسمع بأذنيه دقات قلبه أثناء اختبائه من الموت، دقائق اختلطت خلالها حبات العرق بالدموع والدم، ورائحة الدخان الذى تصاعد إلى السماء ومعه أرواح شباب قتل على أسوار ملعب كرة القدم، دقائق قاسية مرت على من جاء إلى المباراة، لم يعد بعدها هناك بقية للعمر، ولم يعد «تى شيرت» العمر أبيض، بعدما غطته دماء الجماهير.