قطع تذكرة للدخول، وربت على كتف زميله ضاحكا، "هتخش معايا بتذكرتي زي كل مرة، الزمالك المرة دي يستحق"، سارا معا يعددان المباريات التي عاركا فيها الأمن من أجل الدخول لمشاهدة "هزيمة" فريقهم المفضل، والأمن دائما كان حييا في مشاكسته لهما، مرة كسر في الذراع الأيمن لصديقه، ومرة "أنفه" لم يعد في وضعيته التشريحية الصحيحة، ضحكا كثيرا، وتفرقا على معركة جديدة، سيخوضانها سويا قبل بداية المباراة مع "العساكر الغلبانة".
وقفا أمام البوابة، لكن تلك المرة تختلف، هناك ريح مشئومة، و"قفص حديدي"، هناك إشارات تبدو "مغرضة"، وأخرى تحريضية، الضرب لم يكن بنفس "مذاقه" السابق، الضرب الآن "في مقتل"، بحث عن صديقه بعينين يغشاهما الموت وسط الجثامين الدامية، وأغمض عينيه في النهاية مكلوما، على "درع أبيض"، وفارس "أسود"!.
السخرية كانت سوداء، لأن للموت جلال، وللدماء هيبة، ولأن للوجع 20 أب و20 أم، ولأن حياتنا في مصر أمست فيلما مملا سخيفا، بمشاهد تتكرر بنفس قسوتها، مشاهد في خلفيتها أصواتا للنواح، أو زفيفا للرياح المحملة بعبير الشهداء.. كل حدث تنقضي آثاره إلا الفقد، وكل رعب قد تحتمله نفسك، إلا أن ينزاح عن الوجود "حبيب"، أمام عينيك، وأنت قابض على "العجز" وقلة الحيلة.
للموت فصاحة، وحديث مقبض، دائما يتحدث أولا ليدفع مريديه للتعليق بعده، صراخ القتيل دائما يتبعه تبجح من القاتل، وتزيدنا الفاجعة غربة في بلادنا القابعة في "السواد"، "المبرراتية" قتلة، والشامتون قتلة، وابنك الذي توفاه الله ضحية هؤلاء، استراح من رائحة "الذئاب"، فلا تحزن.
في بلاد "الخواجات" للموت سعر، وللقاتل عقوبة، وفي بلادنا للموت تصريحات مستفزة، ودموع "مجانية"، في بلاد "الخواجات" تجد من ينتحر أسفا من مسؤولية الموت، وحدادا على القتل، وفي مصر للدم أنصاف رجال يتحدثون عن مبرراته وأسبابه.. في بلادنا تعرف القاتل من ضحكته، لكنك لا تجرؤ على اتهامه، بل قد تستضيفه مرغما في برنامجك التليفزيوني ليعلق على مذبحته، بدم بارد، وحديث متعجرف، وتصريحات ملتوية.
لكنك، مع كل هذا، تبقى قابضا على بعض أمل، وتصنع من موقف "عمر جابر"، رثاءك الخاص، وترياقا لعينيك التي لا تتوقف عن سكب الدمع، تمني نفسك بثلاثة كـ"جابر" قادرين على الحديث دونما خوف من "السيديهات بتاعتهم".