عم «محمد» يتحدى البرد والتراب والمرض بلعب أطفال

كتب: محمد غالب

عم «محمد» يتحدى البرد والتراب والمرض بلعب أطفال

عم «محمد» يتحدى البرد والتراب والمرض بلعب أطفال

بينما هرب معظم رواد الشارع من برودة الطقس والرياح المحملة بالأتربة، وعادوا لمنازلهم مبكراً، ظل هو منكمشاً على حاله، ومفترشاً أحد أرصفة «السيدة زينب»، حتى بعد أن أشارت عقارب الساعة إلى الثانية بعد منتصف الليل. إجابة وحيدة ظل يكررها عم «محمد أحمد» بصوت خافت ومرتعش كلما سأله أحد المارة عن سبب وجوده فى الشارع: «ببيع يمكن ييجى زبون.. أصل الرزق ده بتاع ربنا»، وبالطبع لم يكن الرجل السبعينى يعلم شيئاً عن العاصفة الترابية ولا أخبار الطقس، كما أنه لا يمتلك رفاهية سماع النشرات الجوية، أو اتخاذ قرار بعدم الخروج للعمل لأى سبب كان. لِعَب أطفال، أقلام بألوان مختلفة، صارت باهتة بفعل الأتربة، هى طبيعة البضاعة التى ينتظر عم «محمد» إقبال الناس عليها، فجلس على الرصيف مغطياً وجهه بشال متسخ بسبب الأتربة، والابتسامة لا تفارق وجهه، وتتحدى كل الظروف التى يعيشها. «هعمل إيه طيب، الحمد لله على كل شىء.. أكل العيش مر، وأنا اتعودت طول عمرى على السقعة والسهر والبرد»، قالها عم «محمد»، مؤكداً أن رحلة شقائه بدأت مبكراً، حين كان يعمل فراناً، ويقف أمام لهيب النيران ساعات طويلة وفى الحر الشديد، ثم أصبح بائعاً متجولاً فى الشارع. العتبة ووسط البلد، هى الأماكن التى يأتى منها الرجل السبعينى ببضاعته، ثم يحملها يومياً إلى منطقة «المنيب»، حيث يسكن هناك، ومنها إلى السيدة زينب ليبيعها، الأمر الذى ينهكه بدنياً، ويزيد من ألمه إصابته بمرض «الفتاق»، الذى يمنعه من السير لمسافات طويلة: «الفتاق ما لوش علاج غير العملية، ومش معايا تمنها، عشان كده كل ما بتألم منه ومقدرش أمشى، بريح شوية من التعب». عم «محمد»، يتمنى تخصيص معاش له، يعينه على الحياة والمرض، ويرحمه من الجلوس لوقت متأخر فى بعض الأحيان فى طقس شديد البرودة والأتربة.