بروفايل| "الحريري".. 10 سنوات على اغتيال "فارس لبنان"
"Mr.Lebanon"، رجل لبنان الأول.. لقب حظي به في كل أوساط المجتمع الدولي حتى عقب سنوات طويلة من رحيله، لم يكتفِ بمساعيه لتعمير بلاده وإنهاء آثار الحرب الأهلية الطاحنة فيها، بل كان له مواقف وقرارات ساهمت في الارتقاء بتلك البلاد التي أكل العدوان الإسرائيلي أخضرها ويابسها يومًا، وأبى القدر إلا أن تكون ميتته لائقة بنهايات الأبطال.
"رفيق الحريري"، ابن مدينة "صيدا" الذي استطاع في سنوات قليلة أن يكون أحد أغنى رجال الأعمال في العالم، حيث انطلق، فور إتمامه دراسة المحاسبة، إلى الأراضي السعودية، ليقتحم ذلك المجال الواسع المتمثل في مجال "المقاولات"، فأنشأ شركته الخاصة التي أصبحت مشاركًا أساسيًا في عمليات الإعمار التي شهدتها المملكة العربية السعودية في تلك الفترة، قبل أن يضم له شركة "أوجيه"، واتسع نطاق أعماله ليشمل شبكة من البنوك والشركات في لبنان والسعودية، إضافة إلى شركات للتأمين والنشر والصناعات الخفيفة.
حصوله على الجنسية السعودية في أواخر السبعينيات وكونه مبعوثًا شخصيًا لملك السعودية فهد بن عبدالعزيز في لبنان لم يمنع الابن البار لبلاده من الانتظار طويلًا حتى يرد الجميل لها، إلى أن انتهت الحرب الأهلية الطاحنة التي شهدها "لبنان" خلال عقد الثمانينيات، حتى قام بالعديد من الأعمال الخيرية لأبناء شعبه، أولها كان تقديم منح طلابية للدراسات الجامعية لعشرات الآلاف من شباب كل الطوائف اللبنانية، إضافة إلى تقديم المساعدات لضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان ومساعدة دور الأيتام والعجزة، وإنقاذ جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية من الديون.
الرجل العصامي، الذي ولد عام 1944 لأبٍ مزارع، اكتسب شعبية طاغية أهَّلته لأن يكون "رئيس وزراء لبنان" قبل أن يتم عامه الخمسين، وهلت بشائر الازدهار مع أيامه الأولى التي شهدت ارتفاع العملة اللبنانية بنسبة 50% عام 1992، وسعى جاهدًا لتحسين الأحوال الاقتصادية للبلاد فكان قراره بتخفيض الضرائب على الدخل إلى 10% فقط، ولجأ لاقتراض ملايين الدولارات لتحسين البنية التحتية لبلاده وتنفيذ خطة الإعمار، فكان نتاج ذلك ارتفاع نسبة النمو في لبنان إلى 8%، إلى جانب انخفاض التضخم من 131% إلى 29، فضلًا عن استقرار أسعار صرف الليرة اللبنانية خلال الأعوام الأولى لولايته.
الانسحاب من رئاسة الوزراء عام 1998، لم يكن نهاية المطاف في حياة "الحريري" النضالية، بل عاد الفارس إلى كرسيه مرة أخرى بعدها بعامين ليواجه العديد من المشكلات كان سببها تلك الأزمة الاقتصادية العالمية التي شهدها مطلع هذا القرن، فها هما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يزيدان من ضغوطهما على الرجل اللبناني فيضطر لبعض سياسات الخصخصة المتعلقة بالمؤسسات العامة التي لا تحقق ربحًا لمواجهة الأزمة، إلا أن السبب الذي منع استكماله لمسيرته كان خلافًا سياسيًا مع الرئيس اللبناني إيميل لحود، آنذاك، والذي قام ببعض التعديلات الدستورية التي تتيح له مد فترة رئاسته، وهو ما لم يرتضيه "الحريري" فقدم استقالته في أكتوبر 2004.
4 شهور كانت فاصلا بين ابتعاد "الحريري" عن ميدان النضال وتنحيه الأخير عن الحياة، قاتلوه لجأوا لقدر كبير من الشراسة كي يتمكنوا من تصفيته، حيث تم تفجير ما يعادل 1000 كيلوجرام من المواد المتفجرة بينما كان موكب البطل يسير بالقرب من فندق سانت جورج في بيروت، ليسدل الستار على حياته في 14 فبراير 2005، إلى جانب 21 شخصًا آخر تواجدوا بمحيط الحادث.
تقارير عديدة وتحقيقات حاولت الكشف عن هوية قتلة "رفيق الحريري"، الاتهامات توجهت لنظام الرئيس السوري بشار الأسد إلى جانب قيادات من حزب الله اللبناني الذي نفى علاقته بالحادث، إلا أن الثابت الوحيد أن مقتل "الحريري" أدى إلى احتجاجات شعبية ضد سوريا، انتهت بانسحاب القوات السورية من لبنان، وهو ما يبرهن على أن "رجل لبنان الأول" كان خادمًا لبلاده عقب رحيله كما كان طيلة حياته.