"صدقيني يا آمال"، "روح يا شيخ الله يعمر بيتك"، كلمات باقية للفنان زكي رستم، الذي تحل اليوم ذكرى رحيله، ذلك الفنان البارع الذي أعطى للفن كل عمره، فاستحق أن يكون من أهم ممثلي السينما المصرية، حيث إنه أمتع الكثير طوال تاريخه بأعمال متميزة وخالدة في تاريخ الفن، وكانت حياته عبارة عن فيلم تراجيدي طويل، فكانت حياته الخاصة من أقسى ما يكون عاش طوال حياته وحيدًا وبعيدًا عن كل شيء، واكتملت مأساته بعد إصابته بالصمم، وانتهى الأمر بابتعاده عن الشيء الوحيد الذي أحبه في الحياة وهو التمثيل.
ولد الفنان محمد زكي محرم محمود رستم في 25 مارس 1903، حيث نشأ في قصر يمتلكه جده اللواء محمود باشا رستم في منطقة الحلمية، وكان جده من كبار ضباط الجيش، أما والده محمود بك رستم فكان من كبار ملاك الأراضي الزراعية.
عشق زكى رستم التمثيل منذ الصغر، حيث كان يحب مشاهدة الموالد وعروض الأراجوز، وعندما كان طالبًا في المرحلة الابتدائية كان يذهب مع أسرته لمشاهدة العروض المسرحية التي تقدمها فرقة جورج أبيض.
ولم يكن التمثيل هوايته الوحيدة، إذ كان يحب ممارسة الرياضة أيضًا، وكان يهوى رفع الأثقال، وحصل على بطولة هذه اللعبة عام 1923.
حصل زكي رستم على شهادة البكالوريا عام 1924 وشهد هذا العام مرحلة التمرد في حياة الفنان، حيث كان من المفترض أن يستكمل دراسته بكلية الحقوق، طبقًا للتقليد السائد في العائلات الأرستقراطية الذي يلزم أبناءها باستكمال دراستهم الجامعية، ولكن المفاجأة أنه رفض دراسة الحقوق، وأخبر والدته برغبته في أن يكون ممثلًا، هنا غضبت الأم بشدة، وخيرته بين الفن والعيش معها، فاختار الفن وترك المنزل، فأصيبت الأم بالشلل حزناً على عمل ابنها بالتمثيل.
وكانت بداية زكي رستم في التمثيل من خلال "سليمان نجيب"، الذي كان والده صديقًا لوالد زكي رستم، فقدمه لـ"عبد الوارث عسر" الذي نجح في ترتيب لقاء مع جورج أبيض، وعندما رآه طلب منه أداء مشهد تمثيلي، وبعد نجاحه في أداء هذا المشهد، وافق على انضمامه لفرقته.
ويعتبر زكي رستم من الفنانين الذين قامت صناعة السينما على أكتافهم، وبدأ مع السينما الصامتة، وظهر في فيلم "زينب" عام 1930، وبعد نجاحه في فيلم "زينب"، قدَّم مجموعة من الأدوار الصغيرة في أفلام "الضحايا، الوردة البيضاء، العزيمة، وليلى بنت الصحراء".
ووصفه العديد من النقاد العالميين بأحد أكثر الفنانين موهبة على مستوى العالم، واختارته مجلة "باري ماتش" الفرنسية كواحد من أفضل عشرة ممثلين في العالم، كما وصفته مجلة "لايف" الأمريكية بأنه من أعظم ممثلي الشرق، وأنه لا يختلف عن الممثل البريطاني الكبير تشارلز لوتون.
برع الفنان زكي رستم في أدوار الشر، وساعدته ملامحه الحادة على إتقان هذه النوعية من الأدوار، ووصلت درجة إتقانه أن الناس كانت تكرهه بالفعل، وتصوروا أنه شرير، كما تميَّز أيضًا في أدوار الباشا الارستقراطي فى العديد من الأفلام، منها "صراع في الوادي" مع عمر الشريف وفاتن حمامة، وفيلم "نهر الحب"، و"أين عمري" مع الفنانة ماجدة، وفيلم "أنا الماضي" مع فاتن حمامة وعماد حمدي، ورغم تميز رستم في أداء دور الباشا الأرستقراطي، إلا أنه جسَّد أيضا شخصية الموظف المطحون ببراعة لا تقل عن براعته في تقمص دور ابن البلد أو البلطجي أو تاجر المخدرات أو رجل القانون، ولهذا أطلق عليه النقاد لقب الفنان ذو الألف وجه.
عاش رستم طوال حياته وحيدًا، لم يتزوج أو ينجب أبناء، ولم يكن له أي أصدقاء سواء من داخل الوسط الفني أو خارجه رغم أن زكي رستم شارك معظم نجوم السينما في أعمالهم، وكانت علاقته بزملائه الفنانين تنتهي عند اللحظة التي يخرج فيها من الأستوديو.
وكان صديقه الوحيد كلب "وولف" يملكه، فكان يصحبه عندما يغادر المنزل لتناول الطعام في أحد مطاعم وسط القاهرة، ثم يعود لعزلته داخل البيت.
وفي سنواته الأخيرة أصيب ذكي رستم بالصمم، فلم يكن يسمع على الإطلاق، فاضطر إلى الابتعاد عن الشيء الوحيد الذي أحبه في الحياة وهو التمثيل، واكتملت بذلك مأساته بالابتعاد عن كل شيء.
وانتهت حياة البارع الفنان بإصابته في أواخر أيامه بأزمة قلبية دخل على إثرها المستشفى التي مكث فيها أياماً عديدة حتى توفي يوم 15 فبراير 1972 عن عمر ناهز 69 عاماً، ورحل الفنان ذو الألف وجه.