من أمام معبر "السلوم".. العائدون: "رب هناك رب هنا"

كتب: أحمد العميد

من أمام معبر "السلوم".. العائدون: "رب هناك رب هنا"

من أمام معبر "السلوم".. العائدون: "رب هناك رب هنا"

بوجوههم الشاحبة التى لفحتها الشمس المحرقة، وبنظرات تمزج بين فرحة النجاة، والحزن من انقطاع لقمة العيش، يقفون أمام السيارة التى ستقلهم إلى بلادهم حيث العودة الأخيرة بلا رجعة.. صامتون لا يرغبون فى الحديث أو رواية مشاهد العذاب والحياة الدرامية القصيرة التى قضوها بين المدن الليبية، لم تكن البلد القاسية غريبة عليهم فمعظمهم اعتاد على العمل فيها منذ سنوات عديدة، وكانت باباً وحيداً للرزق بعدما ضاق بهم الحال فى المحروسة، ولم تكن أكثر قسوة من محروستهم التى نفرتهم بعيداً ليذوقوا ألواناً من الخوف والقلق ويعيشون فى ريبة حتى فى منامهم. فعلى بعد 500 متر من سفح الهضبة الجبلية التى منها وعبرها يمر القاصى والدانى إلى ليبيا، تتجمع أعداد قليلة من السيارات الأجرة لتقل القاصدين إلى السلوم أو المغادرين منها إلى كافة المحافظات بينما يحمل الرجال أمتعتهم عازمين على المغادرة، وبينهم محمد محمود غانم، 29 عاماً، الذى قرر أن تكون رحلته الأخير من ليبيا، رغم قضائه أكثر من 15 عاماً جزاراً بليبيا، لكن ما وصلت إليه الأحداث فى ليبيا دفعته أن يغادر بعد 40 يوماً فقط من وصوله، ويروى: «الوضع الأمنى هناك غير مستقر ومفيش أمان، وكل قبيلة مسيطرة على قطعة من الأرض بسلاحها وتفرض نفسها بالقوة»، منذ أن يخرج «محمود» من مقر عمله حتى يعود إليه لا يضمن سلامته، فحينما يخرج لا يضمن أن يصل إلى محل «جزارته» وإذا وصل لا يضمن العودة إلى المنزل، بحسب قوله، ويضيف: «إمبارح وإحنا راجعين من طريق صحراوى قبل أجدابيا بمسافة قصيرة لقينا كشافات بتضرب فى العربية وبيقولولنا أوقفوا وبيشاوروا كنت فاكرهم جيش لكن السواق جرى بالعربية وعرفنا بعد كدة إنهم قطاعين طرق، الحياة هناك جحيم». فى مصراتة تحديداً، وحسب رواية «محمود»، يتعرض المصريون لأكثر أنواع الاضطهاد فما بين سلب وتفتيش وحبس وحتى سب «السيسى» والجيش، يعيش المصريون تحت رحمة من يمسكون بزمام الأمور بها، حيث يتابع قائلاً: «فى مصراتة منعوا المصريين من العيشة هناك وخدوا جوازات سفرهم وقالوا دى مزورة رغم إنهم جايين طيران وحبسوهم بدعوى الهجرة غير الشرعية وواحد صاحبى كان من ضمنهم»، ويشير إلى أن السجناء المصريين يتولون الخدمة والنظافة العامة فى المنشآت التى يسيطر عليها مسلحون ليبيون. بينما كان يجلس «محمود» على المقهى مساء أمس فى «طبرق»، وشاهد مشاهد ذبح المصريين على أيدى تنظيم داعش الإرهابى، توقع رداً سريعاً من الجيش المصرى، حينها أدرك أن الحياة ستبدو مستحيلة، أو لن يكون هناك حياة للمصريين بعد أن اندلعت شرارة النزاع، ويضيف: «قمت لميت لبسى وحاجتى وقلت أرجع، أنا عندى توأم ياسين وأسير، 9 شهور، وفعلاً وأنا على المنفذ عرفت إن الجيش ضرب بالطيران وقلت الحمد لله إنى خرجت»، متوقعاً أن يشن التنظيم الإرهابى هجوماً على المصريين الموجودين فى ليبيا، كرد فعل على ضربات الجيش المصرى الجوية، مشيراً إلى أن الحياة فى ليبيا لم تعد تسع المصريين والأفضل أن يموت المواطن داخل بلده وليس مهاناً خارجها، عازماً الأمر على أن تكون رحلته هذه هى الأخيرة. بينما أضاف ربيع حسن محمد، 30 عاماً، بائع الخضار الذى يعمل فى ليبيا منذ عامين وشهرين، أنه رأى الموت بعينيه أكثر من مرة، خلال ذهابة لجلب البضائع التى سيقدم على بيعها فى إحدى أسواق سرت قائلاً: «الرصاص كان بيعدى من فوق راسنا وبأسلحة تقيلة وآر بى جى وكل الأسلحة، لولا ستر ربنا ورحمته»، مضيفاً أنه علم من زملائه المصريين فى ليبيا أن الرئيس السيسى ألقى خطاباً إلى المصريين المقيمين فى ليبيا يطالبهم بالعودة حرصاً على سلامتهم بعد الحادث المروع الذى نفذه «داعش»، مضيفاً أنه قام بجمع أمتعته واتصل بزملائه ليعود إلى بلده فى المنصورة، عازماً على عدم العودة إلى ليبيا مرة أخرى. وحول أسباب الذهاب إلى ليبيا رغم تدهور الأوضاع الأمنية فيها منذ اندلاع الثورة فى 2011، قال إن ضيق العيش ومرض والده وعدم قدرته على العمل فى مصر، دفعه إلى التضحية بسلامته من أجل إرسال تكاليف علاج والده مريض الكبد، متخوفاً من أن يزيد الإرهابيون هجومهم على المصريين بعد التصريحات الإعلامية التى تكشف النقاب عن حال المصريين فى المدن الليبية، وبعد الضربة الجوية المصرية على أماكن تمركز داعش. أما شعبان محمد، 27 عاماً، من المنصورة وأحد المصريين العائدين من ليبيا بعد الحادث الإرهابى مباشرة، أكد أنه تعرض للضرب فى مصراتة من قبل عناصر القبيلة التى قامت بكسر رأسه والتسبب فى جرح كبير فى وجهه ورأسه، وحينما علم بحادث مقتل المصريين على يد داعش ذبحاً، خشى أن يلقى نفس المصير وعاد مع زملائه الذين قرروا مغادرة ليبيا، موضحاً أنه «ليس جميع الليبيين يضطهدون المصريين بل قام بعضهم بمعالجته، وأجرى بعضهم اتصالاً للاطمئنان على وصولى وعبورى المنفذ بسلام». من ناحية أخرى، أعرب «ع. أ» 27 عاماً، أحد السائقين الليبيين الذين يتولون مهمة نقل المصريين من وإلى ليبيا عبر الحدود، عن أسفه لمقتل المصريين أول أمس، مشيراً إلى أنه ليس كل الليبيين عناصر متطرفة وأن الحكومة الليبية تحاول القضاء على الإرهاب ولم تتمكن من ذلك، مضيفاً أن القصف المصرى على معاقل داعش أودى بحياة أبرياء وقتل خلال القصف إحدى الأسر الليبية، متابعاً: «بعد ما سمعنا بالقصف اتصلت بقرايبى ومعارفى وقالوا إن القصف موت أسرة كاملة بينهم أطفال»، مشيراً إلى أنه يدعم محاربة الإرهاب لكن ليس على حساب الليبيين الأبرياء.