التجاعيد ترسم ملامح الوجه قبل الأوان بأوان في لوحة حزينة تحمل كل معاني الأسى والحرمان والفقر والعوز وقلة الحيلة والمهانة والألم.. ضاقت عليه مصر بما لم ترحب إلا لغيره وضاقت عليه نفسه التي لم تسع بين جنباتها أي أمل قادم أو بصيص شعاع يشق السور لطريق لا يراه أو خطأ في أوراق حكومية تحمل اسمه إلى مصلحة يعمل فيها فراشًا يمسح السلالم ويقدم الخدمة لمن جلس على مكتب من البائسين الأوفر حظًا، ويتقاضى في نهاية الشهر ما يسد رمقه ورمق الصغار.
أحبها كما لم يحب غيرها، ومنحها بشرته البيضاء ناصعة فلفحته شمسها مزينة البياض بشمس صعيدها الحار، يده الرقيقة صغيرًا رسمتها الشقوق فأضحت تؤلم صغيره حين يتحسس وجهه حنوًا، أو يلثم الطفل يده حنانًا بعد يوم عمل شاق سعد في نهايته الصغير بهدية عادة لا تتجاوز جنيهاتها أصابع اليد الواحدة.
بحث عن الأمل في شقوق الثعابين وبين جحور الفئران فلم يره، جلس القرفصاء أمام المارة في ميادين القاهرة "القاهرة" واضعًا أمامه عدته وشاكوشه في انتظار الرزق، يكسو العرق وجهه حتى ملّ الانتظار وفي نهوضه ذرت الريح التراب في عينيه فأعمتها وأغلقت كل سُبل العيش في طريقه.
غابت عمن أحبها العدل وانتشر فيها الفساد والمحسوبية والرشاوى لنيل الوظائف والتعليم والتثقيف لأهالي الحضر دون قراه التي لا يذكرها المسئولون إلا في خطاباتهم التي يتغنون فيها بتنمية صعيده فلا يرى إلا الكلام الفارغ من الفعل والنظرة المتدنية لملابسه الرثة بفعل النهابين والنباشين الفسدة الجبناء الذين سرقوا جيوبه ورحلّوا الأموال وكنزوها في بلاد أصحاب البشرة الشقراء.
لم يجد للعدل طريقًا في درب حبيبته فارتمى في حضن الصحراء علها تحن عليه وتجود عليه بما لم تمنحه معشوقته، بين قطاع الطريق والليل المظلم شق الطريق إلى بلد النفط المجاورة طالبًا "لقمة العيش" يؤمن بها حياة أبنائه حتى وإن كلفه الأمر حياته.
إلى البلد التي ضربتها الاضطرابات السياسية وتسلح فيها المتأسلمون المدعون الذين رفعوا راية الإسلام زورًا وبهتانًا، أُسِر و20 من بني جلدته في أيدي من لا يعرفون دينًا ولا إنسانية ومن لا ينتمون إلى وطن.. وفي مشهد أخير جثا على ركبتيه وسالت على وجنته دمعة تحمل قهر يطول عمره، شاخصًا ببصره ناحية حبيبته في وداع أخير: "والسفر مكنش بالخاطر".