يا جدعان أنا اسمى «عمرو» مش «بن لادن»

كتب: محمد أبوضيف

يا جدعان أنا اسمى «عمرو» مش «بن لادن»

يا جدعان أنا اسمى «عمرو» مش «بن لادن»

داخل غرفة لا يستطيع أن يفرد فيها ساقيه بالكامل، مسقوفه بأخشاب متهالكة، يجلس "عمرو خليل هريدي"، داخل أكثر المناطق فقرًا، في نهاية منحدر جبلي بالقاهرة، صاحب 33 خريفا، يعيش فيها بعدما ضاقت به السبل، ويرفض ذكر مكانها خوفا من تعقب أهالي منطقة العباسية التي هجرها بعد أحداث اشتباكات وزارة الدفاع في 2012، يعيش عمرو مطارد من خوفه أولا قبل ملاحقة أهالي منطقته الأثيرة. دائم التوجس من أصوات الجيران، يختبئ من نظراتهم وعيونهم، يدخل المنزل في هدوء، يتحدث داخل غرفته بصوت خافت، كما لو أن الجميع مسلطين للتجسس عليه دائما، ويبرر خوفه المفرط: "أنا هربان وفي حته شعبية وقاعد بينهم غريب". ببشرته السماء، حليق لحية أطالها خلال سنوات عمره، وشعر بدأ البياض يشوبه، وعيون زائغة من فرط الخوف، وقلب مرتجف من كثرة الترحال، يتحدث عمرو هريدي لـ"الوطن" عن قصة هروبه خلال ثلاث سنوات من منزله، منذ أحداث الاشتباكات بين المتظاهرين المعتصمين أمام وزارة الدفاع للمطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين وعدد من أهالي المنطقة والبلطجية وقوات الجيش، ممنوعا من دخول بيته فلم يستطيع توديع والده الذي وافته المنية، ولم يستطع استقبال عزاءه، لم يرى والدخ المريض على مدار تلك السنوات سوى مرتين، بعدما صنع منه الأهالي أسطورة، يتناقلونها دون دليل: "في المنطقة مصورني أني بن لادن.. وحكوا عني قصص كأني سوبر مان". بأيدي مرتعشة، وامتعاض يظهر بشكل واضح على ملامحه، يقول لـ"الوطن" إنه من خرج مع أهالي منطقة العباسية لمشاهدة أحداث اعتصام المتظاهرين بالمنطقة أمام وزارة الدفاع: "روحت مع أهالي المنطقة كان المشهد جديد علينا"، فوقف بين المتظاهرين يحاول معرفة اسباب الاعتصام وما يطالبون به، ليفصل بين الحق والباطل، فالرجل الذي يصف نفسه بالجاهل ملتحي منذ عشرات السنوات، ولكن لم ينضم إلى أي مجموعات سلفية أو إخوانية أو ثورية: "ما كنتش شايف أني المفروض أقف مع حد، فكنت اخري اروح اقف اتفرج عشان افهم ايه الي بيحصل.. انا دائما بين المتفرجين على الأحداث". "عمرو" رفض المشاركة في مظاهرات 25 يناير خوفا من بطش الحكومة والنظام، ولكن كان دوما يخرج ليقف بين المتظاهرين ليعرف حقيقة مطالبة وحقيقة الأحداث التي تنقلها الشاشات، ولكن في اليوم المشئوم وقف بين الأهالي والمتظاهرين، ويقول إن هناك بعض الأغراب تواجدوا وحاولوا الوقيعة بين أهالي المنطقة الرافضين لوجود للاعتصام والمتظاهرين، ودخل أحدهم بين المتظاهرين وكال السباب لأهالي المنطقة، فرد عليه عمرو حينها: "ليه كده يا بني عيب" فاندلعت الاشتباكات بين الطرفين، ولكن لم يقف صامت فساعد أصحاب المحال بالمنطقة في الفصل بين المتظاهرين والأهالي ووقف كدروع بشرية بينها. حينما حل المساء، عاد لمنزله ليطمئن على والده المريض وصلى فريضة الفجر، وحسب روايته، لم تمر الساعات حتى انتشرت الإشاعات بين أهالي المنطقة عن مشاركته المتظاهرين في الاعتداء على أهالي منطقته، وبدأت الاتهامات تلاحقه من كل جانب، وجاء إليه أحد المشاركين في الاشتباكات من أهالي المنطقة واتهمت بشكل واضح بالاعتداء عليه أثناء الاشتباكات، فتمكن الخوف منهم وقال لشقيقه: "مش هينفع اقعد في المنطقة ديه"، وخرج ليبيت ليلة عند منزل شقيقة الآخر خارج العباسية. مرت الليلة بسلام ولكن "عمرو" لم يشعر بالراحة في ظل بعده عن والده المريض ووالدته فعاد للمنقطة في صباح اليوم التالي، فاستقبله شباب المنطقة، والذي يرفض تسميته بالبلطجية: "دول شباب الحي اه بيتقال عليهم بطلجية بس دول أهلي وصحابي مش بلطجية ولا حاجة"، وطالبوه بالرحيل وحاولوا التهجم على منزله لولا تدخل بعض العقلاء، فهرب إلى منزل شقيقته ليبيت ليلته هناك، قبل أن تشتعل الأحداث في اليوم التالي، بين الأهالي والمتظاهرين وتتدخل القوات الجيش للفض الاعتصام. يجلس في ترقب يشاهد الأحداث على شاشة التليفزيون في الثاني من مايو، ولكن لم يصمت هاتفه، مرة بعد الآخر يخبروه بوفاة أحد أصدقاءه من الحي في الاشتباكات، ثم سقوط آخر، فاشتعل أهالي المنطقة المحروقة قلبوهم على أولادهم، فهجموا على منزله متهمينه بالوقوف بجانب المتظاهرين الذين قتلوا أولادهم: "هجم شباب المنطقة على البيت ودمروا خالص واعتدوا على والدي والدتي"، لم ينتهى الأمر عند ذلك فتحول "عمرو" وبال على عائلته فاضطر شقيقه لمطالبته بترك منزله خوفا من الهجوم عليها هي أيضا، وتوفى والده بعد الأحداث، لم يستطيع دفه أو استقبال المعزين: "مفيش معنى للحياة.. اي لقمة في حياتك بره بيتك وأنت مطارد بتبقا مرة". بعدما أشيع حول أطلاق النيران على قوات الجيش وحمله لجرينوف بين أهالي الحي: "الشعور بالحرقة من موت أولادهم في كان أي كلمة زي عود الكبريت في كوم قش يولع الدنيا"، وهرب بعيدا ليعمل بأحد الشركات نقل الأغذية المحفوظة ويبيت ليلته كل يوم داخل مقر الشرطة في السادس من أكتوبر، تحدى الخوف واتجه لمبنى أمن الدولة ليسلم نفسه، ولكن بعد التحقيقات أفرج سبيله، وأعاد الكره وتوجه جهاز المخابرات الذي أبلغ أحد مسؤوليه أن عليه أن يبعد عن منطقة في تلك الأوقات. أطلق عليه مجهولين رصاصات خرطوش ولم تصبه، فأزاد الأمر سوء وتملك منه الخوف أكثر فأكثر، ويقول إنه ترك حينها عمله: "قولت كده يبقا الأهالي عرفوا مطرحي" وتوجه إلى المبيت داخل أحد المساجد في أحد المناطق المقطوعة. سبعة شهور مرت من رحلة الهروب، ترك خلالها عمله بشركة الأغذية وتوجه ليسكن بأحد المناطق المقطوعة بمنقطة "مسطرد"، ليعيش في أحد المنازل المهجورة، فالبيت التي كان مسار رعب لأهالي المنطقة كلها: "بيت اتحرق فيه اتنين وكان ساكنة العفاريت"، لم يخف من البيت المهجور ولا من ظلمته الموحشة، ولا من الطلاسم التي رسمها أهل المنطقة على جدرنها من أمور السحر والشعوذة، قدر ما خاف من أهالي المنطقة في ظل اقترب 30 يونيو، وما كان يرميه عليه يوميا الأهالي من اتهامات بالأخونة فهو مازال يحتفظ بلحيته، فلم يكمل الشهور ومع اقتراب الناس من النزوح للتحرير لطرد نظام الإخوان هرب من المنطقة: "كنت اقعد على القهوة الناس تقعد تقولي تلاقيه إخواني وانا غريب ومحدش يعرفني، ويمكن يكون عرفوا قصتي الله أعلم المهم انا خوفت وهربت". ومن مسطرد هرع للعيش في كنف أحد محارق الزبالة في منطقة النهضة بمدينة السلام، لم يكمل بها ثلاثة شهور حتى غادرها هي الأخرى ولكن لم يكن خوفا بل: "أدمرت نفسيا عايش جنب محرقة زبالة.. قولت أبات في الشارع ولا استمر فيها"، وبالصدفة وحسب روايته يقول إن أحد حراس العقارات بالحي السادس بمدينة نصر تمكن من تأجير غرفة لا تتعدى المترين في ممر عمارة سكنية: "كنت بفرش قدمها من ضيق الأوضة، وفي البرد كنت بولع نار جنب فرشتي عشان ادفى من البرد وانا نايم.. يعتبر كنت نايم في الشارع مش في أوضة". كانت والدته تسقط وتلطم الخدود حين يتصل بها ويقول إنها سيأتي لرؤيتها في منزلهم بالعباسية فهو وبال عليهم وكفا ما تلقوه من اعتداءات: "حسه إني لو رجعت هيبادوا". لم تنتهى رحلة الهروب فمن من غرفة مدينة نصر توجه إلى للعيش في تلك المنطقة التي تحتفظ "الوطن" باسمها تحت سفح أحد الجبال، وكل ما يتمناه هو عودته لمنزله في العباسية: "نفسي أرجع للدنيا تاني.. أنا ميت بالحيا.. نفسي أشوف أبني وأرجع اترمي تحت رجل أمي ارعيها وأخد بالي منها".