حكايات التعذيب فى سجون «فجر ليبيا»

كتب: محمد أبوضيف

حكايات التعذيب فى سجون «فجر ليبيا»

حكايات التعذيب فى سجون «فجر ليبيا»

بجسده المنهك، وشعره الأسود الغامق، يقبع مدحت أحمد حمادة أمام منزله المطل على «بوغاز رشيد»، فى قريته «برج مغيزل»، بعدما عاد للتو من سجون «فجر ليبيا». يجلس الشاب صاحب الـ 31 ربيعاً القرفصاء وبين رجليه ابنته الصغيرة ليروى لـ«الوطن» مسار رحلته منذ خرج للصيد فى 28 أكتوبر الماضى على متن القارب، وحتى عودته بعد الضربة الجوية المصرية لمعاقل داعش، وحكايات التعذيب فى سجون «فجر ليبيا» بعدما قبضوا عليه على شاطئ تونس، متذكراً اللحظات الصعبة بكلمات مرتبة، بينما لا يجد صعوبة فى استعادة الشهور الأربعة التى قضاها مع 14 من الصيادين هناك لأنه «يحفظها عن ظهر قلب، من فرط الألم والخوف الذى أصابه» حسب قوله. ركب «مدحت» ورفاقه القارب صوب «مالطة»، للصيد فى منطقة حدودية اعتادوا العمل فيها تسمى «الضهر»: «إحنا ماكناش رايحين ليبيا عشان معاملتهم الوحشة معانا». رحلة سفر استمرت خمسة أيام، حتى وصلوا إلى هناك وبدأوا فى رمى الشباك فى انتظار ما يجود به البحر من أسماك، لكن حدث ما لا تحمد عقباه، حيث انقلب الجو إلى عواصف ورعد «نوة»، حاولوا جاهدين السير عكس اتجاه الريح: «عشان النوة ماتخدناش». كانت وجهتهم التى طالما يلجأون إليها وقت الصعاب حى السواحل التونسية: «ناس تونس مية مية، ودايماً لما بنتعرض لمشكلة بيساعدونا». هاتف قائدهم حرس السواحل التونسية، فسألهم عن هويتهم وحين علم بأنهم مصريون طالبهم بالرسو على الساحل التونسى أو دخول الميناء كما يشاءون، فدخلوا إلى ميناء «جرجيس» التونسى على الحدود الليبية، ورسوا ليومين حتى تحسنت الأجواء، ثم رفعوا «الخطاف» من البحر وعادوا للبحث عن لقمة عيش على شواطئ مالطا. «مدحت» الذى بدأ «الشقا» منذ نعومة أظافره لا يعرف غير مهنة الصيد، كان يسترجع بداياته ومعاناته مع أول مفاجأة بخروج «لنش حربى» يضع علم تونس ليطاردهم: «اكتشفنا بعد كده أنها خدعة من الليبيين»، ووسط إطلاق مكثف للنيران من القناصة ومدافع 14.5 بوصة، ظلت المطاردة مستمرة لأكثر من ثلاث ساعات حاول فيها مدحت ورفاقه الهرب، حتى سقط اثنان مصابين بالطلقات النارية: «إحنا ماكناش عارفين بنجرى فين، ساعة ما وقع مصابين ماكنش فيه حل غير إننا نسلم نفسنا».[FirstQuote] القوة الليبية المسلحة نجحت فى السيطرة على المركب واستسلم الصيادون وهم يتوسلون لإسعاف المصابين «باقول له يا فندى عشان خاطر ربنا معانا مصابين، فرد عليَّا وقال لى توّك فاكر ربنا يا مصرى وفضل يشتم ويسب». أيام وليالٍ من البرد القارس فضلاً عن الإهانة والتعذيب قضاها «مدحت» والصيادون الـ 14، حيث جرى احتجازهم داخل المركب وسط البحر لمدة أربعين يوماً، قبل اصطحاب «ريس المركب» واثنين من مساعديه واحتجازهم داخل ميناء كان يستهدفه طيران «حفتر». يتحرك «مدحت» من جلسته أمام المنزل على الشاطئ، ويصافح سمير إسماعيل الجالس بجوار أحد مراكب الصيد، صاحب الثلاثين ربيعاً، بجسده النحيل وشعره المائل للاصفرار، أحد الصيادين العائدين يذكره حين كان يقسم دوماً خلال وجوده فى محبسه بليبيا بعدم العودة لمهنته الأثيرة، لكن وبعد عودته لم يجد غيرها مهنة يقتات منها وأسرته، فالرجل واحد من مساعدى ريس المركب، الذى احتجز داخل ميناء زوارة، وقتما كان «مدحت» والصيادون محتجزين داخل المركب: «خدونا عشان الصيادين مايقدروش يهربوا لو عرفوا يسيطروا على المركب تانى.. رهينة يعنى عشان ماكنش عندهم مكان يكفى حبس العدد كله». شاهد «إسماعيل» الموت بعينه حين كان طيران «حفتر» يدك الميناء، وعاش تحت وطأة النيران لحظات يعتبرها الأصعب فى حياته، نطق فيها الشهادتين بدل المرة 100 مرة: «طبعاً الطيران كان بيضرب وهما بيضربوا عليه بالصواريخ.. وإحنا فى النص بين دول ودول، والطيران بيضرب مايعرفش محجوز ولا غير محجوز»، ويحاول الرجل ورئيس المركب التوسل لهم ولكن دون جدوى «اعملوا معروف إحنا مالناش ذنب إحنا ناس غلابة، ومالناش فى الكلام ده»، فيرد عليه الضابط الليبى: «إيه إلى جابك عندنا.. هتموت زينا»، يستطرد الرجل متذكراً الكلمات التى كانت تقابل توسلاته ومحاولاته حتى يصفحوا عنه ويتركوه يعود لبلده. بعد أربعين يوماً عاشها «إسماعيل» سجيناً داخل الميناء، ورجاله فى محبسهم داخل المركب، توسط أحد المصريين للإفراج عنهم، لكن دون جدوى، فأعاد الكرة أكثر من مرة، حتى اشتد الضرب عليهم فسمحوا للوسيط المصرى باصطحابهم وإعادتهم إلى مصر «عملنا وثائق مزورة عشان نقدر نمشى بيها داخل ليبيا لحد ما نرجع مصر». فتح الرجل للصيادين الضحايا منزله لأيام: «لحد دلوقتى ماحدش يعرف هو كان بيساعدنا ليه، فى الأول والآخر كانت خدمة إنسانية»، دخل الرجل ورئيس المركب فى مفاوضات للإفراج عن المركب، وطالبا الصيادين بالعودة إلى مصر، فيما سيظلان ليستطيعا إعادة المركب، وهنا افترق الجمعان: رئيس المركب الذى ظل هناك من أجل إعادة «القارب» مصدر لقمة عيشه، وصياديه الذين استأجروا إحدى سيارات الأجرة، حسب رواية «إسماعيل» لبدء رحلة العودة، إلا أن مفاجأة أخرى كانت فى انتظارهم حيث قبض عليهم فى الطريق.[SecondQuote] يلتقط محمد أحمد سليمان، أحد العائدين، طرف الرواية، بشاربه الصغير وجسده الممشوق، فيما كان يجلس بجواره، بعصبية مفرطة: «إحنا اتسلّمنا مش اتقبض علينا»، مؤكداً أن سائق السيارة الأجرة أثار ريبته من تصرفاته، فكان يرفض الدخول بين الممرات الجبلية التى يسلكها السائقون للهرب من أعين الميليشيات وكمائنها، ودائماً ما كانوا يسمعون المارة على الطريق يخاطبونه «حرام عليك انت رايح تودى المصريين دول فين!» وكان يرد «هوديهم على الحدود فى السلوم»، فيقول المارة إن السير فى هذا الطريق «هيخليهم يتاخدوا منك». كان الرجل عند سوء ظنهم به، حيث قُبض عليهم من جانب الميليشيات عند مدخل مصراته عند بوابة «الكرارين»، ويقول سليمان إن السائق خدعهم وسلّمهم من أجل الأموال، بعدما اتهموهم بأنهم قوات مصرية جاءت لتحارب مع «حفتر»، خاصة فى ظل وجود مصابين من المطاردة البحرية بينهم. بعد القبض على «إسماعيل» و«سليمان» وزملائهما بدأ التحقيق معهم من قبل قوات الكمين، حيث أمطروهم بأسئلة عن الرئيس عبدالفتاح السيسى والجيش المصرى وطبيعة التعاون مع اللواء حفتر، بينما تجاهلوا تماماً أنهم صيادون قُبض عليهم عند السواحل الليبية، يسعون للعودة إلى بلادهم، ولم تكن محاولات الضحايا الاستماتة لإثبات ذلك لتجدى نفعاً، ومن بوابة «الكرارين» جرى نقل الصيادين إلى مديرية الأمن فى «مصراتة»، واستمرت التحقيقات وسيل التساؤلات والتحقيقات: «مش مصدقين إن فيه صيادين بيسافروا فى البحر بالعشرين يوم عشان يصطادوا سمك!». فجأة، يضيف سليمان، دخل مدير الأمن على المصريين المحتجزين، قائلاً: «تعرفوا التعذيب بالكهرباء؟» فأخذ الصيادون فى البكاء والنحيب، بينما تأهب الزبانية بأدوات التعذيب، وقبل أن تبدأ عملية تقييد الصيادين تمهيداً لصعقهم بالكهرباء، خرج «إسماعيل» وقال لمدير الأمن إنه يعمل مع أحد كبار الأعيان وشيوخ القبائل فى مصراتة، وهو بالفعل كان يعمل عنده قبل ثلاثة أعوام، حينها أوقف مدير الأمن كل إجراءات التعذيب وتركهم «راجل واصل هناك وهو خاف منه، بس عملوا لنا محضر ونقلونا لأحد السجون»، ومن هنا بدأ الأمن يتعامل مع الصيادين بوجه آخر، حيث اعتبرهم مهاجرين غير شرعيين، ونقلهم إلى أحد سجون المهاجرين غير الشرعيين هناك، يحمل نفس اسم البوابة «الكرارين»، وهو عبارة عن مدرسة حولها المسلحون أثناء الحرب إلى سجن. استمر «إسماعيل» والصيادون الـ 14 فى سجن «الكرارين» شهراً وسط معاملة سيئة حتى نجحت الوساطة فى تهريب «إسماعيل» و«سليمان» واثنين آخرين من الصيادين، فى أحد القوارب التى كانت ترسو على الساحل الليبى، وعادوا إلى مصر سالمين، فيما تبقى عشرة صيادين، ومع اشتداد الحرب فى مصراتة وعمليات جيش حفتر «اللى تعبهم» - حسب سليمان- سمحوا بخروج ثلاثة آخرين إلى القاهرة، ليتبقى سبعة عادوا قبل أيام بعد الضربة الجوية المصرية لمعسكرات الإرهاب هناك.[ThirdQuote] على بُعد خطوات وقف «عبدالقادر أحمد بريش» معلناً عدم العودة لمهنة الصيد مهما كلفه الأمر «لو هموت من الجوع مش هرجع للمهنة دى تانى». الرجل كان واحداً من السبعة الذين ظلوا فى سجون ليبيا بعد هرب زملائهم وعادوا قبل يومين، يستكمل حكايات الرحلة مؤكداً أنه بعد هروب زملائهم اشتد عليهم التعذيب فى السجن ورفض الوسيط الذى ساعد فى هروبهم التدخل مرة أخرى وتهريب السبعة الباقين، قائلاً «أنا خرّجت زمايلكم فى المراكب الليبية اللى على الشط وخليتهم هربوا بيها». لكنه اليوم يرفض رفضاً قاطعاً مساعدتهم مرة أخرى، «ماكنش عندهم حل غير أنهم يهربوا من البحر بالمراكب ديه لو مشيوا برى تانى كانوا هيتقتلوا يا يتمسكوا تانى». اشتد على «عبدالقادر» ورفاقه السبعة التعذيب، وحين يمسك بشريحة هاتف محاولاً الاطمئنان على أسرته، يكون مصيره الجلد والتعذيب والصعق بالكهرباء، ومن سجن «الكرارين» نقلوا إلى طرابلس فى سجن «أبو سليم»، الذى يصفه بـ«البشع»، حيث لاقوا فيه ما لم يلاقه أحد من تعذيب وإهانة، وصل إلى خلع ملابسه نهائياً للتفتيش ذاتياً كل يوم: «قلّعونا عريانين ملط عشان نتفتش.. أقول له ربنا بيقول لك دارى عورتى.. يقول مش مشكلتى»، واستمرت الإهانة والتعذيب دون أدنى رحمة لمدة 15 يوماً «كل ده ومحدش سأل علينا ولا قال لنا انتم فين». ومن سجن «أبو سليم» فى طرابلس نقل «بريش» وزملاؤه السبعة إلى مدينة «الزاوية»، واستمروا هناك سبعة أيام «طبعاً السجن ده كان أصعب»، حيث كان السجن الأشد قسوة وعنفاً، ولكن بعد سبعة أيام فى الجحيم قال الليبيون إنهم تأكدوا من هويتهم وأنهم بحارة وصيادون، فاحتجزوهم فى محبس خاص بعيداً عن بقية السجناء والرهائن.