م الآخر|«ابتسامة باريسية»

كتب: علي ترك

م الآخر|«ابتسامة باريسية»

م الآخر|«ابتسامة باريسية»

أطبق الليل على المدينة الساحرة العامرة بالمحبين والحالمين والمسنين الذين يرجون فسحة ترتاح إليها الأرواح قبل الأجساد، عمّ الليل وأقفلت النجوم نورها وتوارى القمر خلف سحب غائمة واتشحت السماء بالسواد هاجرة زرقتها الصافية، وركدت مياه نهر السين بغير سبب وغادره المراهقون إلى البيوت في الأزقة العتيقة المرسومة بأيادي فنانين مهرة، راح جمالها ليلتها من عينيه. رن جرس الهاتف، دس يده في جيبه وأزاح وجه الجراب عن شاشة اللمس، فإذا بـ"بسمتها" تطل عليه ويعلوها اسمها، تسرب نغم خرير ماء النهر إلى أذنيه وفتحت ستائر المسارح الباريسية عن عروض راقصة أخاذة، النور يغزو شوارع المدينة الساحرة بسرعة الريح العاتية، فُزع النائمون من الشعاع الغازي فلم يجرؤوا على فتح أعينهم، أبواب حوانيت العطور تفتح أقفالها بلا مفاتيح، شذى القنِّينات يصل إلى المعتلين برج إيفل، أضواء قوس النصر تنير المدينة وبيوت الأزياء العامرة، الأطفال يلهون في سعادة غامرة حول النوافير التي تناغمت مياهها مع عروض المسارح مشكلة لوحة تُذهب العقول سُكرًا من غير شُرب، يمتد نور بسمتها إلى يد ليوناردو دافنشي فيضع البسمة على شفتي وعيني الموناليزا في متحف اللوفر، الشقراوات يتزاحمن في الطرقات والأزقة في انتظار أن ينهلن من النور. تسرب صوتها إلى أذنه، فعزفت كل آلات مسارح باريس ألحانًا وألوانًا تأسر القلوب، صوت الكمان يغلف الشوارع الغربية، يلتحف المارة معاطف وحولهم يتراقص الصبية في الأزقة على ألحان الموسيقى التي تأخذ طريقها من بين البنايات إلى دروب العشاق في بيوتهم ومجالسهم وإلى المراسي على نهر السين. انتهت المكالمة.. أطبقت شفتيها فأغلق الهاتف ودسه في جيبه ثانية، فأطبق الليل على المدينة الساحرة العامرة بالمحبين والحالمين والمسنين الذين يرجون فسحة ترتاح إليها الأرواح قبل الأجساد، عم الليل وأقفلت النجوم نورها وتوارى القمر خلف سحب غائمة واتشحت السماء بالسواد هاجرة زرقتها الصافية، وركدت مياه نهر السين بغير سبب وغادره المراهقون إلى البيوت في الأزقة العتيقة المرسومة بأيادي فنانين مهرة.. في انتظار بسمة جديدة وصوت.