هوس الإنجاب.. «كل شيخ وله طريقة»

كتب: جهاد عباس

هوس الإنجاب.. «كل شيخ وله طريقة»

هوس الإنجاب.. «كل شيخ وله طريقة»

يتقدّم العلم والطب معاً، لكن النساء تظل أحلامهن معلقة بأحبال ما هو موروث عن الأجداد وما هو شعبى، لتبقى تلك الوصفات هى الأكثر شيوعاً بين النساء فى الأرياف اللاتى تأخر إنجابهن، بحثاً عن حلم الأمومة فى قرية قحافة التابعة لمدينة طنطا بمحافظة الغربية، وفى القرى المحيطة، تتصدّر تلك الوصفات أذهان السيدات اللاتى يحلمن بالأمومة، مهما كانت صعبة أو مخيفة أو مثيرة للغثيان، تنفّذها المرأة دون تردّد. الجدة الأم، «فتحية»، التى تجاوزت الستين من العمر، رزقها الله من البنين والبنات ستاً، تحكى عن شعورها فى أول ثلاثة أعوام من زواجها مرت دون إنجاب، وكيف تشبث بها الحزن كلما أتتها الدورة الشهرية فى ميعادها، دون فائدة لمحاولاتها المستميتة لتحمل، تقول: «الحما زمان كانت شديدة، ويتعمل لها ميت حساب». تحكى عن فقدانها الجنين أكثر من مرة، فى مرات حملها الأولى، إذ كان يباغتها النزيف فى شهرها الثانى، لترجع حماتها السبب فى أنها «مكبوسة» على حد قولها، وأن علاجها الوحيد هو «الخضة»، بقيت تلح عليها مرة تلو الأخرى، أن تذهب معها إلى المقابر، لكنها كانت تخاف وترفض، بعدما أدركت أن الخضة تعنى أن ترى جثة فى القبر، حيث كانت إحدى الطرق المنتشرة وقتها، لفك الـ«كبسة». ولـ«الكبسة» حالات معروفة تواجهها المرأة، إذ تظهر فى صورة نحافة جسم المرأة دون سبب، وتأخر قدرتها على الإنجاب، أو قد تستهدف المنطقة الخاصة فى جسم المرأة، وتكمل موضحة أن السبب فيها يعود لزيارة العروس من قبَل إحدى النساء وهى تعانى آلام الطمث، أو دخل عليها شخص وهو حليق الذقن، أو كان معه قطع لحمة حمراء. كل ذك يسبب «الكبسة» للعروس. لتعانى بعدها تأخر الإنجاب. المرأة التى تجاوزت الستين تكمل مؤكدة أن سبب تأخر حملها، أرجعه البعض لوجود عمل سفلى أعدته لها «سلفتها» (زوجة أخ زوجها). تحكى «فتحية» أنه مع مرور الوقت، خاصة بعدما أنجبت «سلفتها» الابن الثانى، اضطرت لأن تطيع حماتها، لتغتسل بمياه تم استخدامها لتغسيل الموتى، تقول: «عرّفتنى أنها مية جابتها بعد تغسيل ست ميتة، وكنت بارتعش وماقدرتش أحط المية على راسى، وندهت عليها، ودخلت هىّ حمتنى بمية الغسل». وأكملت قائلة إنها لم تكن الطريقة الوحيدة التى اتبعتها، بل ذهبت أيضاً إلى أحد الشيوخ وطلبت منه «حجاب»، وأنها فتحت مرتبة السرير لتدسه فيها، ولم تخبر زوجها عن الحجاب. ثم أكملت مبتسمة، أنه بعد عدة شهور قليلة، اكتشفت أنها حامل، ومن بعدها بقيت تنجب الابن تلو الآخر. «فتحية» حتى يومنا هذا تقول باقتناع تام إن السبب كان السحر، نافية أن يكون سبب تأخر الحمل أو فقدان الجنين صغر سنها التى كانت وقتها 13 عاماً فقط، قائلة «ما هو كل البنات فى سنى كانوا بيخلفوا عادى». «هدى» الفتاة العشرينية، خريجة كلية الآداب جامعة طنطا، حفيدة الجدة «فتحية»، تقول إن الحمل تأخر عاماً واحداً، لكنها شعرت بقلق عارم، وبعد تردّدها على الطبيب أدركت أنها لا تعانى من أى موانع صحية للإنجاب، ولذلك لجأت إلى وصفة شعبية اعتبرتها الأسهل من وجهة نظرها والأكثر احتمالاً، بعدما نصحتها الجدة بها، لتذهب إلى المقابر وتحضر أوراقاً للنباتات الموجودة هناك ومنها الصبار، وقامت بغليها فى المياه، وغسلت جسدها به 4 مرات كل جمعة، قُبيل صلاة الجمعة، حتى حدث الحمل المنشود فى عام زواجها الثانى، تحكى «هدى» أنها لم تتعرّض لأى ضغوط مجتمعية، لكن كانت لديها رغبة قوية للإنجاب، وشعرت باكتئاب وضيق لمجرد مرور عام دون حدوث حمل. فى حين توضح «أم هدى» أنها لم تعانِ من أى تأخر فى الحمل، مقدمة لنا صديقتها «كاميليا»، 54 عاماً، الأكثر شهرة بين النساء لأنها اتبعت أكثر الطرق العجيبة، خلال عام ونصف العام فقط من تأخر الحمل، تصف لنا كم المرار الذى عاشت فيه، بسبب ضغط عائلة زوجها عليها، وهى فى عامها الـ22. تقول إن عمتها أعطتها «الصوفة» التى كان يوصى بها وقتها، وأخبرتها بضرورة وضعها فى الرحم، تقول «كاميليا»: «كنت مستعدة أعمل أى حاجة، المهم ما أخسرش جوزى». لدرجة أنها ذهبت إلى مكان يُسمى «الشيخة صباح» فى طنطا، يشبه الحمام البلدى، تحضر إحدى العاملات هناك طبقاً كبيراً ممتلئاً بالمياه تضع فيه مجموعة من الأحجار الملونة، لتستحم المرأة المكبوسة فى الطبق، تكمل مبتسمة أنه بالرغم من كل ذلك لم يحدث الحمل، حتى أجبرتها حماتها على حضور لحظة ولادة إحدى جاراتها، وأعطتها «الداية» أى السيدة التى تقوم بالتوليد، «الخلاص» أى الحبل السرى الذى كان يغذى الجنين، لتضعه فى منطقة حساسة، لكن شيئاً لم يحدث، وزاد الأمر سوءاً بوضعها فى مياه شديدة السخونة إلى أن احترقت أجزاء منها.