لم تعد الجرائم التى يرتكبها تنظيم «داعش» الإرهابى تقتصر فقط على المستوى الإنسانى الذى تخطى حدود جرائم الحرب من عمليات قتل وذبح وتدمير، بل امتدت لتشمل المستوى الثقافى والحضارى، وباتت التحف والآثار والقطع الفنية هدفاً جديداً لعناصر التنظيم الإرهابى، بحجة أنها مخالفة للإسلام وتعتبر من عبادة الأصنام. وتسبب فيديو «داعش» الذى ظهر فيه عناصره يدمرون محتويات متحف مدينة «نينوى» بمحافظة «الموصل» العراقية، فى إثارة انتقادات وإدانات عالمية غير مسبوقة، بسبب تدمير التراث الحضارى الذى يمتد لآلاف السنين.
وتشير صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية إلى أن جرائم «داعش» بحق التراث التاريخى والثقافى ليست هى الأولى من نوعها، فالاختلاف الوحيد هذه المرة هو نشر فيديو لتدمير الآثار داخل المتحف، إلا أن الحقيقة تؤكد أن التنظيم الإرهابى سبق أن أعدم آلاف الوثائق الأثرية التى تعود إلى العصور المختلفة، كما سبق أن دمر آثاراً عديدة بحجة أنها تندرج تحت عبادة الأصنام. وتضيف الصحيفة الأمريكية: «لم يكتف داعش بجرائمه ضد التراث الثقافى والتاريخى بالتدمير فقط، بل امتد الأمر ليشمل بيعها فى السوق السوداء وبشكل غير قانونى بهدف جنى الأموال اللازمة لتمويل عملياته الإرهابية».
أما شبكة «إن.بى.سى نيوز» الأمريكية، فتؤكد أن تدمير التراث التاريخى والثقافى لا يقتصر فقط على تنظيم «داعش» الإرهابى، مشيرة إلى أن فكرة تدمير هذا التراث متأصلة فى فكر المتطرفين والمتشددين باختلاف مسميات جماعاتهم. وأضافت الشبكة الأمريكية: «هناك على سبيل المثال حركة طالبان فى أفغانستان، فقد دمرت محتويات أحد المعابد فى مدينة (باميان)، ونشر التنظيم الإرهابى وقتها فى عام 2001 صورة لعناصره تقف إلى جوار بقايا تمثال بوذا فى المدينة، كما أن الحركة الإرهابية فجرت معبدين لبوذا، بعد إعلان قائدهم نيته تدمير كل التماثيل فى أفغانستان، بل إن تلك الدعوة وصلت إلى إعلان رغبته فى تدمير أهرامات الجيزة وأبوالهول فى مصر».[SecondImage]
وقالت «إن.بى.سى» إن الجماعات الإرهابية فى أنحاء العالم باختلاف مسمياتها، صنعت لنفسها سمعة بأنها تسعى إلى تدمير الآثار والمعابد والوثائق والمبانى التاريخية، وأضافت: «فى عام 2013 على سبيل المثال، نجحت الجماعات المتطرفة الإرهابية فى مالى، فى تدمير ما يقرب من 2000 وثيقة كانت محفوظة فى معهد أحمد بابا فى مدينة (تمبكتو)، وهى وثائق يقول الخبراء إنها تضاهى وثائق البحر الميت». وتابعت الشبكة الأمريكية: «بالنسبة للكثيرين فى الغرب، فإن تلك الأفعال هى ببساطة إرهاب وتطرف، ولكن فى الواقع هناك خبراء يؤكدون أن الفكر الذى يدفع هؤلاء الإرهابيين نحو تلك الأفعال، هو جزء من منظومة أكبر تأصلت فى أيديولوجية العبادة لدى بعض المتطرفين».
ونقلت الشبكة عن أسامة حسن، الذى وصفته بأنه كان أحد المتشددين الإسلاميين على مدار 20 عاماً ولكنه تراجع وبات حالياً يعمل فى مجال مكافحة الإرهاب فى بريطانيا، قوله إن «أغلب المسلمين المعتدلين ينظرون إلى تلك الآثار باعتبارها أمراً عادياً ويجب أن يتعايشوا معه، حتى وإن كانوا لا يتفقون مع الحكايات التى تتوارد عن تلك الآثار، إلا أن هناك جانباً متشدداً ينظر إلى تلك الآثار بعين مختلفة، ويسعى إلى تدميرها انطلاقاً من عقيدة بأنه ما دامت تلك الأشياء تخالف معتقداتهم، فلا مانع من تدميرها أو حرق الكتب والوثائق وغير ذلك».[ThirdImage]
وقالت «ساينس مونيتور» إن أيديولوجية تدمير الآثار والتراث التاريخى والثقافى، ما هى إلا جزء من أيديولوجية أكبر بهدف محو التاريخى الثقافى والحضارى للدول والمناطق التى يحتلها هؤلاء المتطرفون، حيث إنهم يسعون إلى تحويل التاريخ والثقافة إلى أيديولوجية واحدة يحكمونها هم دون معارضة أو اختلاف. وتضيف الصحيفة الأمريكية: «تدمير متحف الموصل ما هو إلا قطعة أخيرة فى تحركات أكبر لمحاولة محو الثقافة غير الإسلامية لسكان العراق، وتحويل المنطقة بأكملها إلى أيديولوجية واحدة تعتمد فقط عليهم ولا تقوم بدونهم، أو بمعنى أشمل، أنهم يسعون إلى إعادة كتابة التاريخ على حسب أهوائهم من خلال تدمير الوثائق والكتب والآثار التاريخية التى تحكى التاريخ الحقيقى الذى يتعارض مع رواياتهم».
وتشير الباحثة الأثرية جانين موود، إلى أن التدمير الذى يلحق بالآثار والمقتنيات التاريخية التى تقع فى أيدى المتطرفين -ليس فى سوريا والعراق فقط، بل فى مالى وأفغانستان وباكستان وغيرها من الدول التى استطاع المتطرفون السيطرة عليها- تخطى تماماً فكرة أنها أضرار طبيعية تلحق بالمقتنيات الأثرية فى إطار الحروب، بل تحول الأمر إلى استهداف متعمد يسعى إلى القضاء على التاريخ كما هو معروف من خلال المرويات الثقافية التى تصحب تلك الآثار أو الوثائق، وما دامت هى مختلفة عن فكر الإرهابيين، فإنهم يسعون دوماً إلى تدميرها.