"الوطن" ترصد "شتات السيناوية": هجرة بأمر الإرهاب والمواجهات المسلحة

كتب: حسين إبراهيم

"الوطن" ترصد "شتات السيناوية": هجرة بأمر الإرهاب والمواجهات المسلحة

"الوطن" ترصد "شتات السيناوية": هجرة بأمر الإرهاب والمواجهات المسلحة

أخذ سالم أبوعواد، أحد أهالى سكان غرب رفح، الذين نزحوا من مناطقهم بسبب الهجمات الإرهابية، نفساً عميقاً من هواء الربيع.. توقف عن الكلام، وغالب دموع عينيه، وهو يتغزل فى رائحة ورود الأشجار التى تفتحت وملأت صحراء العريش، قبل أن يضيف: «هذه الرائحة تعلن وفاة محصول أشجار الخوخ التى تركتها بلا رعاية وقدمت إلى هنا بحثاً عن الأمان». توقف الرجل قليلاً وكأنه يتخلص من ذاكرته المثقلة بالشجون، قبل أن يضيف: تركنا المكان وهاجرنا، لأننا كنا نسكن بالقرب من كمين «ولى لافى» الذى اعتادت الجماعات المسلحة استهدافه، لترد قوات الأمن عليهم، وتندلع اشتباكات بين الجانبين، أسفرت عن مقتل وإصابة 6 من الأهالى بينهم نساء وأطفال. وتابع: تركنا المكان، وتركنا أشجار الخوخ بلا رعاية، وهى الآن فى موسم «التقزيم»، وكان مفترض أن أقوم حالياً بتقليم الشجر، كما هو المعتاد فى بداية الربيع، لكن ما باليد حيلة، سيفسد الشجر ولن يُخرج ثماراً جيدة هذا العام، مضيفاً: «شجر الخوخ ليس أغلى علينا من بيوتنا وأقاربنا، فالجميع رحل ولكننا نجمع أهلنا ونتواصل من جديد لعل الله يُحدث بعد العسر يسراً». «أبوعواد» ليس الوحيد الذى خلّف بيته وجيرانه وراءه واضطر للنزوح من «ملكه» ليعيش الشتات فى قلب الوطن، سواء داخل سيناء فى خيام غرب العريش، أو فى محافظات الوادى، يعيش على أمل العودة، وبحنين اللقاء مع الأهل والجيران. يقول الحاج محمد، من غرب الشيخ زويد: أعيش أنا وأحد أولادى فى عشة صغيرة بعيدة عن التفتيشات والقتل والملاحقات وأصوات الرصاص، وما خفف عنى ألم الفراق والغربة أنى وجدت أصدقاء قدامى لم أرهم منذ 30 عاماً على الأقل، يعيشون بالقرب منى، وأصبحنا نجلس هنا ونتبادل أطراف الحديث. واستدرك الرجل قائلاً: لكن أصعب شىء أن تترك بيتك مرغماً، فإن الشرف والبيت فى نفس المنزلة عند البدوى، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهى السفن، واضطررت لترك أرضى مرغماً.[FirstQuote] وكعادة البدوى فى التعبير عن نفسه بالأشعار والأغانى الفلكلورية، كانت هناك أغنية مشتركة فى أغلب حلقات وتجمعات «بدو الشتات»، تقول: «يا راحلين وساكنين بأضلعى هل تسمعون توجعى وتنهد الدنيا معى؟! يا شاغلين خواطرى فى هدأتى وتضرعى يا مشرقين على ابتسامات العذاب وأدمعى أنتم حديث جوانحى فى خلوتى أو مجمعى أنتم أرق من الجداول فى الربيع الممرع وأجلّ من وصف الخيال العبقرى المبدع».. . «حلقات النازحين»، ترف ليس متوفراً لكل المهجّرين من قراهم بأمر الإرهاب أو بفعله، فهناك من يعيش على ذكرى الأهل والجيرة دون رفقة، ما حوّل حياته للحظات موحشة تنثر الذكريات فيها الآلام، يقول «سليمان السواركة»، أحد أبناء القبائل من جنوب الشيخ زويد: «إن القلب ليحزن والعين لتدمع، فبين يوم وليلة وجدت نفسى وقد فارقت الأهل والجيران والأحباب، فاراً بغير اتجاه، ما حدث معى يشبه كابوساً مزعجاً أتمنى من الله أن أستيقظ منه قريباً، ويعود الأمن والأمان، ونعود لجيراننا وأهلنا الذين افتقدناهم». وفى غرب العريش، تجمع عدد من النازحين داخل سلسلة خيام متجاورة ليحتموا ببعضهم، ورغم أحوالهم السيئة، فإنهم رفضوا محاولة أحد الأشخاص منحهم مبالغ مالية، وقالوا: «لا ينقصنا مال، طعامنا وشرابنا وغطاؤنا يكفينا، وما ينقصنا هو اللمة من جديد، لقد افتقدنا اللمة». وتابع أحد هؤلاء، فى تصريحات لـ«الوطن»: «جيرانى وأصدقائى ذهبوا للصالحية بالشرقية، تاركين كل شىء وراءهم، ولكنى بقيت هنا قريباً من أمى العجوز لكى أرعاها، فهى ليس لها سواى، فقد توفى والدى وهاجر شقيقاى إلى الشرقية، وبقيت أنا وزوجتى لنرعى أمى العجوز». العجوز صاحبة الستين عاماً رفضت الكلام معنا، وغالبت دموعها قائلة: «اتركونى، فإن الكلام لا يفعل شيئاً، وعسى أن يكون الله ادخر لنا شيئاً عنده». وبجوار عشة الأم وابنها، يعيش رجل مسن، نزح من منطقتهم بعد أن قتل الإرهابيون ابنه، يقول الرجل، الذى طلب عدم نشر اسمه: لا أعرف من قتل ابنى بالضبط، فلقد كان ملثماً، ولكنى أشعر بأننى سوف أقابله يوماً ما، وسأحاسبه على افتقادى ابنى كل هذه السنين. وتابع الرجل: ابنى برىء، لم يتعاون مع إسرائيل أو مع أى أحد، كان فى حاله، ولكنهم أجبروه على قول أشياء لم يفعلها وذبحوه، وأمه المسكينة تبكى ليل نهار، وتدعو على من قتلوا فلذة كبدها. المعاناة التى يعيشها أهالى سيناء المهجّرين لا تختلف كثيراً عن معاناة هؤلاء الذين بقوا فى مدينتَى الشيخ زويد ورفح، فعلى الرغم من أن المدينتين أكثر أماناً من قراهما، فإن الأهالى يعانون منذ أشهر من نقص الخدمات، فشبكات الاتصال مقطوعة، منذ عام، ولحقها الغاز والماء والكهرباء والوقود، فضلاً عن إغلاق الطرق معظم الأوقات. يقول سالم أبوصقر، أحد الباقين فى الشيخ زويد: أنا موظف، ونقلى ممنوع بقرارات المحافظ، والندب غير مصرح به نهائياً، وهو ما اضطرنى للبقاء، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الشقق السكنية فى العريش التى قاربت على ألف جنيه شهرياً، وأنا لا أقوى على دفع كل تلك المصروفات. وتابع: لذلك أغلب أهالى رفح والشيخ زويد بقوا يواجهون مصيرهم وسط تردى الوضع المعيشى.[SecondQuote] وأضاف محمود السماعنى: «لا يوجد مكان يقبلنا، فأين نذهب وماذا سنعمل هناك؟ وأقاربنا بالمحافظات الأخرى قد يقبلوننا ضيوفاً أو زائرين، وليس مقيمين دائمين». من جهته، قال على الحساسنى: رجعنا من جديد إلى عهد الآباء والأجداد، للطهى على الأحطاب ونقل المياه على ظهورنا وظهور الحمير، ولكن الأمل ما زال موجوداً فى أن تعود الحياة لطبيعتها، ونتمكن من العيش بسلام، والحرمان لن يستمر طويلاً، فقد خسرت المنطقة الكثير، ونزح أكثر من نصف السكان، وأغلب الوافدين من غير الموظفين عادوا لمحافظاتهم، ولكنهم بين الحين والآخر يتصلون بنا للاطمئنان على الأوضاع.