كتاب بريطاني: قضية الشاعر "العجمي" كشفت عدم حيادية "الجزيرة"
ربما كانت أكبر حادثة كشفت عن عدم حيادية «الجزيرة»، ولا التزام قطر عموماً بمبادئ حقوق الإنسان التى تدعو الدول الأخرى للالتزام بها، هى قضية الشاعر القطرى «محمد بن الذيب العجمى» الذى تعرض للسجن مدى الحياة بتهمة إهانة الذات الأميرية.
ويواصل الكتاب البريطانى : «لم تمنح «الجزيرة»، ولا أى وسيلة إعلامية قطرية أخرى، أى تغطية مناسبة للحريق المروع الذى نشب فى «فيلاجيو مول» فى الدوحة، وأودى بحياة 19 إنساناً فى مايو 2012. وفى بدايات 2013، كان هناك تعتيم إعلامى صارخ على اعتقال ومحاكمة وسجن الشاعر القطرى «محمد بن الذيب العجمى»، بسبب قصيدة نشرها فى يناير 2011 بعنوان «ثورة الياسمين»، وأيضاً بسبب انتقادات وجهها الشاعر للقيادة القطرية، بمن فيها الأمير السابق حمد بن خليفة وزوجته «موزة»، وبمجرد أن تم نشر مقاطع للعجمى وهو يلقى قصيدته على موقع «يوتيوب»، تم إلقاء القبض عليه وحبسه فى زنزانة انفرادية».
«وبعد ضغوط دولية عنيفة من منظمات حقوق الإنسان، تم عقد محاكمة للعجمى فى نوفمبر 2012، وتم توجيه تهمة محاولة قلب نظام الحكم إليه، وهى تهمة أشد من تهمة إهانة الذات الأميرية التى كان يمكن توجيهها إليه من قبل، واجتذبت قضية الشاعر القطرى اهتماماً واسعاً سواء فى داخل أو خارج قطر، إلا أن محاكمته لم تستغرق أكثر من خمس دقائق، دون حضوره حتى يكون قادراً على الدفاع عن نفسه، تم الحكم عليه بعدها بالسجن مدى الحياة، فى حكم لم يزد على سطرين».
«أدانت منظمات حقوق الإنسان بشدة كلاً من المحاكمة وحكمها الجائر الذى ينتهك أبسط حقوق حرية التعبير، بعد أن ظهر أمامهم أن قطر تقدم نفسها أمام العالم كمدافعة عن الحريات، فى الوقت الذى تحرص فيه على إبقاء مواطنيها صامتين مكتومين تحت السيطرة».
ويتابع: «ومما زاد الطين بلة، وأضاف المزيد من الإساءة لسمعة قطر أمام العالم، أنه لا قناة الجزيرة، ولا أى من وسائل الإعلام القطرية، قد منحت أدنى قدر من الاهتمام لقضية الشاعر القطرى، وهو ما أكد الشكوك التى كانت قائمة حول قناة الجزيرة، وإصرارها على اتباع سياسة المعايير المزدوجة، فى تركيزها الصارخ والمبالغ على الأحداث التى تقع خارج قطر، وتكتمها وتعتيمها الواضح على ما يجرى داخل قطر، وكانت هذه الضغوط والانتقادات الدولية على ما يبدو، سبباً لكى تحاول الجزيرة تدارك خطأها، وتقوم بتغطية استئناف الحكم على «العجمى»، وتخفيفه إلى السجن لمدة 15 عاماً، وقال محامى «العجمى» بعدها: إن السلطات فى قطر، تحاول أن تظهر لمواطنيها أنهم سيتلقون معاملة مماثلة لما جرى للشاعر القطرى، لو أنهم تجرأوا وفتحوا أفواههم».
ويواصل: «كل هذا يؤكد أن السياسات التى تتبعها قيادات قطر فى الداخل، هى أبعد ما تكون عن المشاكل، بل إنها مليئة بالتعقيدات التى قد تتطور لما هو أكثر فيما بعد. لقد كشف استطلاع للرأى أجراه معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية التابع لجامعة قطر فى 2012، عن نتائج تثير الدهشة، منها مثلاً أن حجم ثقة الشعب فى الخدمات الأساسية التى تقدمها الدولة قد تراجع بشكل حاد عما كان عليه فى 2011، وأن نسبة القطريين الذين قالوا إنهم «يثقون بشدة» فى القوات المسلحة القطرية قد تهاوى من 87% إلى 78% فى عام واحد، وتهاوت الثقة فى النظام القضائى القطرى من 72% إلى 62%، وسجل مجلس الشورى أعلى معدلات تهاوى الثقة الشعبية فيه، من 65% إلى 54%، باختصار، كانت نتائج استطلاع 2012 تعكس رفض كثير من المواطنين القطريين لسياسة التدخلات المتعددة فى شئون دول الربيع لعربى التى اتبعها حكام قطر، وعند سؤالهم عن المشكلة الأكبر التى تواجهها قطر اليوم، أجمع 70% ممن شملهم الاستطلاع على أنها التدخلات الخارجية لقطر فى شئون الدول الأخرى، التى تسببت فى «تقديم مبالغ وأموال طائلة من الخزانة القطرية للدول الأخرى، والتعرض لانتقادات عنيفة من هذه الدول، واكتساب أعداء جدد طوال الوقت».
ويصل الكتاب إلى نقطة مهمة فى ارتباك علاقة قيادات قطر بشعبهم، يقول: «ربما كان تداعى تلك الثقة الشعبية فى القيادة القطرية، هو السبب الذى عطل تنفيذ التعهد الأميرى فى أكتوبر 2011 بإجراء أول انتخابات عامة فى 2013، كان هذا التعهد هو ما تم الإعلان عنه وسط ضجة كبيرة بعد 11 يوماً من مصرع القذافى، فى تلك اللحظة التى بدا فيها كل شىء وكأنه قد أصبح بالفعل فى متناول قطر، ونقلت الوكالة الرسمية القطرية عن الأمير «حمد» أقواله التى وجهها بلهجة أبوية إلى شعبه قائلاً: «إننا ندرك أن كل هذه الخطوات ضرورية لبناء دولة قطر الحديثة، وكذلك لبناء المواطن القطرى الذى لا بد أن يكون قادراً على التعامل مع تحديات العصر، ونحن واثقون أنكم أيها المواطنون، ستكونون على قدر المسئولية».
ويتابع الكتاب: «تلقى كثيرون فى قلب قطر تعهد الأمير بإجراء انتخابات عامة بكثير من الشك، انتبه القطريون فوراً إلى أنه لا توجد أى تفاصيل فعلية حول الإجراءات التى سيتم اتباعها لإتمام العملية الانتخابية، كما أشار المراقبون إلى أنه لم تتم أى مشاورات ظاهرة مع ممثلى المجتمع المدنى أو القوى الأخرى فى المجتمع القطرى قبل الإعلان عن تلك الانتخابات، بل وبدا الأمر كله، وكأن الوعد الأميرى بإجراء انتخابات عامة كان مجرد تحرك أو محاول لتحصين قطر من الاتهامات الموجهة لها بدعم التصدى لأنظمة الحكم السلطوية فى خارج قطر دون أن يكون لديها الحريات الكافية داخلها».
ويواصل: «لكن بعدها بثمانية عشر شهراً، ومع قرب نهاية فترة انعقاد مجلس الشورى فى يونيو 2013، لم يبد أن هناك أى نوع من الإعلان أو التلميح للانتخابات الوطنية، أو عن الآليات والإجراءات التى سيتم اتباعها لتنفيذها، على الرغم من أنه تم السماح بنشر مقال رأى فى جريدة «ذا بينيسولا» القطرية التى تصدر باللغة الإنجليزية، وتطالب بإجراء الانتخابات، مذكرة الأمير بوعوده الكثيرة حول الإصلاح السياسى منذ عام 1998، عندما وقف أمام الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة قائلاً: «إن الإصلاح السياسى، ومشاركة المواطنين فى صنع القرار لم يعد أمراً اختيارياً يمكننا قبوله أو رفضه، ولكنه صار ضرورة». وتابع الكاتب القطرى فى مقاله بالجريدة: «إننا نأمل أن يشهد النصف القادم من العام إجراء انتخابات المجلس، ولو لم يحدث ذلك، فمن حقنا إذن أن نسأل، من المسئول عن تأخير تنفيذ رغبات الأمير؟ علينا أن نسأل من هم هؤلاء الذين يعطلون تحقيق طموحات الشعب القطرى كما عبر عنها الأمير؟».
ويضيف الكتاب: «فى تلك الفترة، قام الأمير «حمد» بنقل السلطة لولده «تميم»، الأمر الذى اعتبرته القيادة القطرية مبرراً كافياً لتأجيل عقد الانتخابات إلى أجل غير مسمى، خاصة أن أحد آخر القرارات التى وقع عليها «حمد» بوصفه أميراً للبلاد، كانت بالتمديد لمجلس الشورى المعين، وبالطبع، فإن الطبيعة المنغلقة لدائرة صنع القرار القطرية الضيقة، قد جعلت من الصعب التوصل للأسباب الحقيقية التى جعلت حماس حكام قطر يهدأ فيما يتعلق بقرار إجراء الانتخابات فيها».
ويتابع الكتاب: «لكن، يمكن القول دون خطأ كبير، إن انقلاب المشاعر الدولية والإقليمية ضد قطر فى الفترة الأخيرة، كان سبباً فى تهدئة أى محاولات من الدوحة للدخول فى تجارب جديدة فى الداخل، وبدا الأمر وكأن السياسة القطرية قد أصبحت تميل لنوع من المحافظة والتركيز على ما يحدث فى داخلها، كردة فعل مضادة لتشعبها فى الخارج، وكمحاولة منها لتدارك عدم ارتياح الشعب للسياسات الخارجية القطرية، وهو ما جعل الرأى السائد يقول إن نجم قطر قد شهد ذروة صعوده فى نهاية 2011، قبل أن يرتد على نفسه، لإعادة تقييم ما حدث، وما فعل، وما جرى».