العين بصيرة.. والإيد "عين الصيرة"

كتب: محمد غالب

العين بصيرة.. والإيد "عين الصيرة"

العين بصيرة.. والإيد "عين الصيرة"

هنا فى منطقة المدابغ فى عين الصيرة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الماكينات والآلات الضخمة، تبدو الحياة مستحيلة، روائح كريهة تستنشقها بمجرد دخولك، خليط من رائحة المجارى والمواد الكيماوية الضارة. هنا عمال يعملون ليل نهار دون دخل ثابت ولا معاش ولا تأمين صحى، العمل يتوقف على قوة سواعدهم فى الإنتاج، وإذا مرض أحدهم أو أصيب يركن جانباً وتتوقف يوميته. عند دخولهم إلى منطقة «المدابغ» عليهم أن ينسوا كل شىء بالخارج، فالعالم الآن بالنسبة لهم مجرد رائحة كريهة، ذباب وحشرات زاحفة، حيوانات ضالة وخيل، قمامة، صرف صحى، ومع ذلك فالوضع أصبح «عادياً». انهماكهم فى العمل ينسيهم البيئة المحيطة بهم، لكن أغلبهم تأقلم على الحياة بـ«المدابغ»، عمال من مختلف الأعمال، الكبار لا يتحركون إلا بشريط دواء، والشباب يشربون سجائر رخيصة الثمن، يأكلون بنهم شديد فى منتصف اليوم من شدة التعب، صوت الماكينات هو موسيقاهم التى تنسيهم الحياة بالخارج، وفى نهاية يومهم يسيرون على أرض مليئة بالقمامة وفضلات الحيوان، يخرجون من عين الصيرة، لكن رائحتها تظل فى أنوفهم.[SecondImage] «الريحة الوحشة مش بتضايقنى، والسجاير بتسلينى، أهو بضيع وقت وأنا شغال على الشلاحة»، قالها «حسن محمد»، الذى تعلم الصنعة من أخيه الأكبر، يعمل بطريقة يدوية، ينزع الصوف من الجلد، مقابل 25 قرشاً للواحدة، يظل يعمل منذ الصباح حتى يجمع الثمن الذى يحتاجه فى ذلك اليوم، ومنذ أن كان طفلاً وهو يقوم بنفس مهمته كل يوم. «داخل على 40 سنة، وأنا بشم نفس الريحة، وبقوم بنفس المهمة، وبشرب نفس السجاير، أكيد مجهود، لكن عودت نفسى عشان خاطر بناتى التلاتة»، قالها «حسن»، الذى لو عاد به الزمن لن يعمل فى هذه المهنة: «كل يوم تعب بدون راحة، ويا ريت متأمن عليَّا». «بيجيلى الجلد نى، يتملح ويتحنط، نحط عليه مواد وجير، ونشيل الراق من الجلد عشان بيبقى فيه دهون، ونحطه على مكنة اسمها (المقلوبة) ونعمل العرق اللى إحنا عايزينه، بعد كده نشطفها وننشفها بالهوا، ونديها حمام بخار، ونوديها تتفصل، وتتشطب»، يتحدث «رشوان أبوطالب رشوان» عن دورة العمل، مؤكداً حبه لمهنته، التى قضى فيها سنوات عمره منذ أن كان طفلاً، على الرغم من أنه أعطى لها الكثير، وأخذ منها القليل: «الصنايعى يوم ما يتعب، مالوش علاج، وبناخد فلوس بالإنتاج، يعنى ماشتغلتش تجوع، وأنا عندى 60 سنة، سنى مايسمحش أنتج على طول، خلاص كبرت».