فى أحد شوارع وسط البلد العتيقة، يتراص عدد من المحال والشركات التجارية تقع بينها «مطبعة» يظهر عليها القدم، بداخلها آلات الطباعة الصغيرة، وفى الجهة الأخرى غرفة مكتب تجلس بها سيدة، يوحى مظهرها من الوهلة الأولى أنها أجنبية، ولكن المفاجأة أنها تتحدث «العامية المصرية» مثل أهلها.. إنها الأرمينية «جاسيا».[SecondImage]
و«الطباعة» مهنة انتشرت بين الأرمن منذ أن هاجروا إلى الأراضى المصرية فارين من المذابح التى نفذها ضدهم الأتراك فى القرن الماضى، حيث بلغ عدد مؤسسات الطباعة الأرمينية فى مصر 55 مؤسسة.
وتقول «جاسيا» التى فر جدها من مدينة «قيصرية» التركية، هارباً من المذابح، إن الأرمن أول من أدخلوا طباعة «الأوفست» إلى مصر، نظراً لأنهم اهتموا بالطباعة إلى حد كبير، إلى جانب أنه لم تكن هناك مطابع بالحروف الأرمينية، ولهذا عملوا فى هذا المجال، وهو الطباعة.[ThirdImage]
وتضيف «جاسيا» لـ«الوطن»، أن هناك العديد من المطابع التى تعرفها وأصحابها «أرمن» تعمل منذ زمن، مشيرة إلى عدة أسماء «أرمينية» أطلقت على هذه المطابع، والتى ورثها الأرمن عن آبائهم أو أجدادهم الذين لجأوا إلى مصر بعد ممارسات الإبادة لبنى جنسها. من جانبه، يقول الدكتور محمد رفعت الإمام، أستاذ التاريخ بجامعة دمنهور، إن الطباعة تعد من الميادين الرائدة التى ارتادها الأرمن فى مصر، حيث أسسوا 28 مطبعة فى القاهرة، بالإضافة إلى 13 مطبعة فى الإسكندرية، مشيراً إلى أن أشهر وأقدم تلك المطابع هى مطبعة «أرارات»، لمؤسسها الأرمنى «دربينيان» فى منطقة «بين الصورين»، أما عن المطبعة الأقدم فى الإسكندرية فهى مطبعة «زنكوغراف نازاريتيان»، لصاحبها الأرمنى «نازاريتيان» ويوضح الإمام لـ«الوطن»، أن معظم هذه المطابع لم تستمر طويلاً، ولكن البعض منها استمر لعقد أو عقدين، أما المطابع التى استمرت فهى تعد على أصابع الأيدى، مشيراً إلى أن نشاط الأرمن فى هذا المجال انقسم إلى فرعين أساسيين، أولهما: طباعة الصحافة الأرمينية، وهو أمر يرتبط من خلاله ميلاد مثل هذه المطابع وموتها بنشأة الجريدة ونهايتها مثل «باروس وآرشالويس» بالقاهرة، و«آراكس وهايلى» بالإسكندرية. أما الفرع الثانى فكان طباعة كافة المطبوعات من كتب وكـــراسات وأظرف رسائل ومستندات تجارية وبطاقات لدعوات باللغات الأرمينية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية واليونانية والعربية.