عرِفَ بـ"السيادة"، فولاه عمر بن الخطّاب مِصرًا حتى مات، وقال عنه "ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا"، كما عرف بالدهاء، وقال عنه "رميّنا أرطبون الروم بأرطبون العرب"، ووصفه الإمام الذهبي بداهية قريّش، ورجل العالم.
كان من ألد أعداء الإسلام قبل أن يدخل فيه، وفي معركة "أحد" كان ممن كبد المسلمين خسائر فادحة في الأرواح، أسند إليه "بن الخطاب" مهمة صعبة وهي فتح مصر، لضمها للخلافة الإسلامية، عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرش، "فاتح مصر" في 16 أبريل عام 641 م.
كان يهدف "بن الخطاب" لتأمين الفتوحات وفي نفس الوقت يخشى على الجيوش الإسلامية من الدخول لإفريقيا ووصفها بأنها "مفرقة"، أما عمرو بن العاص فكان مغرمًا بمصر قبل الإسلام، فكان يذهب إليها في تجارته، وبعد أن حقق انتصارًا على الروم في معركة "أجنادين" استأذن الخليفة في غزو مصر الذي أبدى الرفض في البداية.
وصل كتاب عمرو بن الخطاب لعمرو بن العاص، قائلًا: "إذا أتاك كتابي هذا، أخطب الناس وحضهم على القتال، ورغبهم في الصبر، وأبرز للقتال عند زوال الشمس من يوم الجمعة فإنها ساعة إجابة".
قرأ عمرو الرسالة، وتقدم للحصن وحاصره وكان "المقوقس" داخله وبدأت مناوشات وكان الروم يرمون بالمجانيق، والمسلمون يرمونهم بالسهام والحجارة.
سار "بن العاص" بجيش مكون من 4 آلاف رجل، وعبر بهم من فلسطين إلى العريش، ومر ببئر المساعيد حتى انتهى إلى "الفرما" وهي ميناء صغير على البحر يسمى الروم، وتقابل هناك مع حامية رومية، ودار قتال شديد حتى انتصر المسلمون، ثم واصلوا السير إلى داخل مصر حتى وصلوا إلى بلبيس في دلتا مصر كان ذلك بشهر مارس 640 م.
وكان يحكم مصر ذلك الوقت الرومان، مُتخذين من الإسكندرية عاصمة للبلاد مقيمين حصون عسكرية بطول البلاد وعرضها بها حاميات رومانية توجه الى بلبيس، والتي كانت حصينة، ثم حاصر حصن "بابليون"، أكبر الحصون وأحصنها واستولى عليه بعد معارك شديدة، وبمجرد سقوطه تهاوت باقي الحصون في الدلتا والصعيد أمام الجيوش الإسلامية.
مضى الشهر ولا يزال "بن العاص" يضيق الحصار، فأرسل "المقوقس" وأرسل له وفدًا يهدد ويفاوض، فكانت إجابته "إذا ما دخلتم في الإسلام كنتم إخواننا، وإن أبيتم فتعطونا الجزية، وإما جاهدناكم بالقتال".
عندما سأل "المقوقس" وفده، كيف رأيتهم، "رأينا قومًا الموت أحب لهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفقة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمه، جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كان واحد منهم، لا يعرف السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لا يتخلف عنها أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم".
كان رد المقوقس، "الذي يحلف به، لا يقدر على قتال هؤلاء أحد، وإن لم نغتنم صلحهم وهم محصورون بالنيل، لم يجيبون إذا أمكنتهم الأرض"، فأرسل لـ"بن العاص" يطلب منه إرسال وفد للتفاوض.
واستطاع عمرو بن العاص الاستيلاء على مصر بسقوط الإسكندرية في يده عام 21 هجرية، وعقد مع الروم معاهدة انسحبوا على أثرها من البلاد وانتهى الحكم الروماني لمصر وبدأ الحكم الإسلامي بعصر الولاة وكان عمرو بن العاص أول ولاة المسلمين.
قيل أن المصريين عانوا من اضطهاد من قبل الرومان، وكان اختلاف عقيدة المصريين عن حكامهم سببا في اضطهادهم من قبل الرومان لاختلاف الدين فالدولة الرومانية كانت وثنية والمصريين مسيحيين، ولما أعترفت الدولة الرومانية بالمسيحية اعتنقوا مذهبا مغايرا للمذهب الذي عليه المصريين.
بعد نجاح "بن العاص" في فتح مصر، كان منهجه لا إكراه في الدين، وأن حرية العقيدة أمر مقدس، فلن يتعرض لأحد في حريته أو ماله بسبب دينه أو مذهبه، وخيَّرهم بين الدخول في الإسلام والبقاء على دينهم، كما انتهج سياسة المساواة الدينية بين المذهبين النصرانيين اللذين استمرا في مصر.
بدخول عمرو بن العاص لمصر، بني عاصمة مصر الإسلامية بمجرد عودته من الإسكندرية بعد توقيع معاهدة الأسكندرية، وأسماها "الفسطاط" نسبة إلى فسطاطة "خيمته" التي نصبت عند دخوله مصر.
كما استمرت الفسطاط في الاتساع والازدهار وأصبحت مركزًا للتجارة، كما حفر القناة التي كانت تصل بين النيل والبحر الأحمر وسماها قناة خليج أمير المؤمنين، تحسنت حالة الأقباط، وازدادت ألفتهم بالمسلمين مع مرور الوقت ودخل كثير منهم في الإسلام.
توفي "أرطبون العرب" عن عمر يناهز 88 عاما، ودفن بالقرب من منطقة المقطم، وذكر أن ابن العباس دخل على "عمرو" وهو يحتضر، سأله "كيف تجدك؟"، قال "أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفس من خرم إبرة، ثم رفع يديه" قائلًا: "اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله" ثلاثًا، ثم صعدت روحه إلى بارئها.