بالوثائق: «أمير الظلام» صاحب خطة «داعش» لتأسيس «جمهورية الخوف»
كشفت صحيفة «دير شبيجل» الألمانية، فى تحقيق نشرته أمس تضمن وثائق خاصة حصلت عليها، عن كيفية ظهور تنظيم «داعش» الإرهابى بشكل كبير فى المنطقة على مدار الأشهر القليلة الماضية. وقالت الصحيفة الألمانية، إن «داعش برز بسرعة البرق ليصبح أكبر وأخطر جيش إرهابى على مستوى العالم من حيث التكتيك المتبع فى عملياته وتنظيمه، ليقترب كثيراً من صورة الجيوش النظامية، حتى إنه سيطر على مناطق واسعة فى شمال سوريا وانطلق منها لبسط نفوذه فى العراق، مستغلاً الفوضى الناتجة عن الصراعات فى الدولتين الجارتين».[SecondImage]
وأشارت الصحيفة الألمانية إلى أنه كان هناك كثير من التساؤلات والتفسيرات عن أسباب صعود التنظيم بهذه القوة المذهلة، والأسس التى أقام دولته المزعومة وفقاً لها، وكسبها مؤيدين بشكل يومى فى كل أنحاء العالم. وقالت الصحيفة إن وثائق سرية استطاعت الحصول عليها تعود إلى سمير عبد محمد الخلفاوى، المعروف باسم «حجى بكر» أو «أمير الظلام»، العقيد العسكرى السابق فى مخابرات نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، وقد قتل «بكر» فى أوائل عام 2014 فى تبادل لإطلاق نار، تكشف كيف وضع التنظيم استراتيجيته للانتشار فى سوريا والعراق، واعتماده على أساليب مخابراتية شديدة التعقيد مماثلة لتلك التى تستخدمها الدول.
وتكشف الوثائق التى كتبها «الخلفاوى» بخط يده للحفاظ على سريتها، كيف وضع التنظيم الهيكل الإدارى لدولته ووزع المسئوليات، وتكشف أن التنظيم مارس نشاطه تحت غطاء المكاتب الدعوية فى سوريا وجمع المقاتلين الأجانب، دون الاعتماد على المقاتلين السوريين أو العراقيين فى البداية. وتكشف الصحيفة الألمانية أن التنظيم الأخطر فى العالم ما هو إلا نتاج امتزاج أفكار عناصر حزب البعث العربى ونظام صدام حسين مع أفكار الجهاديين الذين تلاقوا فى المصالح.
وقالت الصحيفة: «بكر» هو «عراب داعش» والعقل المخابراتى الأول فى التنظيم، وهو من وضع أبوبكر البغدادى على رأس التنظيم. ووفقاً لـ«دير شبيجل»، فإن «الخلفاوى» عقيد سابق فى مخابرات سلاح الجو العراقى فى عهد الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين، سُجن لفترة فى أحد سجون الاحتلال الأمريكى وبعد إطلاق سراحه التحق بتنظيم «القاعدة»، ثم فى 2004 التحق بنواة «داعش» التى كانت تحت مسمى «تنظيم القاعدة فى العراق» بقيادة أبومصعب الزرقاوى، وعرف باسمه الحركى فى التنظيم «حجى بكر». وقالت الصحيفة الألمانية: «غادر بكر إلى سوريا فى 2012 وكان الرجل الأهم للتنظيم فى سوريا وقتل فى تبادل لإطلاق النار مع معارضين لنظام الرئيس السورى بشار الأسد فى 2014.[FirstQuote]
وترك خلفه تلك الوثائق التى هى عبارة عن مجلد من المخطوطات اليدوية التى كان ينوى الاحتفاظ بها فى سرية تامة وتضمنت خرائط تنظيمية وجداول زمنية وقوائم تصف كيف لدولة أن تخضع لسيطرة تنظيم تدريجياً»، مشيرة إلى أنها حصلت على 31 صفحة من تلك الوثائق، تكشف عن تكوين توجهات وأساليب عمل معقدة للتنظيم بعضها تم تنفيذه سابقاً والبعض الآخر نُفذ مؤخراً فى الأراضى السورية التى تشهد اضطرابات وأعمال فوضى.
وتابعت: «الخلاصة أن تلك الوثائق هى مصدر مهم للمعلومات عن الجيش الإرهابى الأكثر نجاحاً فى التاريخ الحديث، وتكشف كيف تجرى قيادة التنظيم ودور مسئولى نظام الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين فى وقت كان فيه الاعتماد على بيانات فقط من مسئولى التنظيم لا تقدم معلومات حقيقية عن التنظيم الأخطر، وكيف أن السيطرة على شمال سوريا كان مخططاً لها ما جعل لهم التقدم فى العراق بعد ذلك ممكناً».
وبحسب «دير شبيجل»، كانت البداية عندما ذهب «حجى بكر» إلى سوريا عام 2012 وكانت خطته الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضى السورية، واستخدامها جسراً لغزو العراق، وأقام «بكر» فى مدينة «تل رفعت» الواقعة شمال محافظة «حلب» السورية وكان اختياراً جيداً له، إذ إن كثيراً من سكان «حلب» سافروا للعمل فى الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية منذ عام 1980، وعندما عادوا كانوا على قناعة ببعض الأفكار المتطرفة ولديهم اتصالاتهم. وفى 2013 باتت «تل رفعت» معقلاً لمئات من المقاتلين المتمركزين هناك فى محافظة «حلب». وكان هناك «بكر» أو «أمير الظلام» كما دعاه البعض، يرسم بعناية الهيكل التنظيمى لـ«داعش» من المستويات العليا فيه حتى مستوى المحليات والقرى والمسئوليات الفردية لكل مستوى، وأماكن الإقامة والأثاث وكامل التفاصيل بشأن التنظيم، مستخدماً فى ذلك القلم الحبر الجاف ويوضح كذلك حتى تسلسل المسئوليات الأمنية.[ThirdImage]
وتابعت: «هذا المخطط الذى تم تنفيذه بعناية مذهلة فى الشهور السابقة، وكانت البداية فى كل مكان تبدأ بنفس الخطة والتفاصيل: التنظيم يجند أتباعه من خلال افتتاح مكتب الدعوة الإسلامية ومن بين أولئك الذين يحضرون للاستماع إلى المحاضرات والدورات عن الحياة الإسلامية فى المكتب يتم اختيار واحد أو 2 من الرجال وإعطاؤهم تعليمات بالتجسس على القرية التى ينتمون إليها والحصول على مجموعة واسعة من المعلومات عن القرية. وتحقيقاً لهذه الغاية فإن قوائم حجى بكر تضمنت قائمة بأسماء العائلات والأسر القوية فى القرى والمناطق، وأسماء الشخصيات التى لها نفوذ فى هذه العائلات. وضمت كذلك قائمة تحدد أسماء وحجم المعارضين المسلحين للنظام السورى فى القرية. ومعرفة أسماء قادتهم والميول السياسية لهم، كما شملت القائمة معرفة أنشطتهم غير المشروعة، المخالفة للشريعة الإسلامية وفقاً لهم، التى يمكن استخدامها لابتزازهم عند الضرورة».
وأضافت: «طلب بكر من الجواسيس أن عليهم أن يلاحظوا مثل هذه التفاصيل، إذا كان شخص يقوم بنشاط إجرامى أو يكون مثلى الجنس أو متورطاً فى علاقة سرية، ليكون سلاحاً للابتزاز فى وقت لاحق». ووفق الوثيقة، فإن «بكر» قال إن «التنظيم سيعين الأشخاص الأقوياء والأذكياء فى منصب شيخ شريعة، كما سيتم تدريبهم بعد ذلك.. وبعض الإخوة سيتم اختيارهم فى كل قرية للزواج من بنات الأسر ذات النفوذ الأكبر ليتمكنوا من التغلغل فى تلك الأسر دون علمهم».
ومن بين المعلومات المطلوبة من الجواسيس فى القرى معلومات عمن يعيشون فيها ومن يتولون مسئوليات فيها، وأى الأسر معروفة بتدينها، وإلى أى من المذاهب الفقهية تنتمى، وكذلك عدد المساجد فى القرى ومن هم الأئمة الذين يتولون تلك المساجد وزوجاتهم وعدد أبنائهم وأعمارهم. كما شملت المعلومات كذلك خطب هؤلاء الأئمة وهل هم منفتحون على الصوفية أم لا؟ وموقفهم من النظام، معه أم ضده؟ وتفاصيل أخرى عن مرتب كل إمام، وما إذا كان يحصل على مرتب أم لا؟ ومن يدفعه له؟ ومن يعينه؟.
وتوضح الوثائق أن المخبرين أو الجواسيس الذين اعتمد عليهم «بكر»، مثل أولئك الذين فى «تل رفعت»، كانوا فى أوائل العشرينات من عمرهم وبعضهم لا تتجاوز أعمارهم 16 أو 17 عاماً. وشملت كذلك المعلومات المطلوب جمعها مجالات أخرى مثل المسائل المالية والرعاية والمدارس ووسائل النقل ووسائل الإعلام. لكن الوظائف الرئيسية وفق الخطة تشمل أعمال المراقبة والتجسس والخطف والقتل. وكانت الخطة تقوم منذ البداية على القيام بالأعمال المخابراتية بالتوازى حتى على مستوى المحليات. وجاء توزيع المهام من خلال إدارة المخابرات العامة ويتولاه «أمير الأمن» للإقليم الذى هو فى الوقت ذاته مسئول عن أمراء المقاطعات الخاضعة للإقليم.
وتقول الصحيفة: «تبدو أفكار الصحفى والروائى البريطانى جورج أورويل نموذجاً للأفكار التى قام عليها التنظيم فى العراق، وهى ذاتها الأفكار التى سار عليها نظام صدام حسين، حيث تشير إلى أن يكون الكل تحت الرقابة وهو ما يمكن وصفه بأنه «جنون العظمة»، فالأجهزة الأمنية منتشرة فى كل مكان وكانت أفكار «بكر» مجرد تعديل لما تعلمه فى الماضى من نظام صدام، أن تكون الأجهزة الأمنية منتشرة فى كل مكان حتى أولئك الذين يقودون أجهزة المخابرات والتجسس ليسوا على يقين من أنهم لا يخضعون للمراقبة هم الآخرون. هى مثل ما وصفه الكاتب العراقى كنعان مكية فى كتاب جمهورية الخوف».
وفى عام 2010، جعل «بكر» ومجموعة صغيرة من ضباط المخابرات فى نظام صدام حسين، أبوبكر البغدادى أميراً لتنظيم الدولة الإسلامية ولاحقاً جعلوه الخليفة. وكان السبب فى ذلك أن «البغدادى» سيمنحهم غطاءً أو وجهاً دينياً وفقاً لهم.[SecondQuote]
ويتحدث الصحفى العراقى هشام الهاشمى عن «حاجى بكر» الذى كان يطلق عليه «العقيد سمير» والذى كان زميلاً لابن عمه فى قاعدة «الحبانية» الجوية فيقول: «بكر كان وطنياً قومياً وليس إسلامياً. كان ذكياً للغاية وحازماً ولوجيستياً ممتازاً، لكن عندما أصدر الحاكم المدنى للعراق بول بريمر، الذى عينته قوات الاحتلال، مرسوماً بحل الجيش العراقى عام 2003، صار العقيد بائساً ومن العاطلين عن العمل». وتقول المجلة: «جرة قلم من الولايات المتحدة سلبت من الآلاف من الضباط السنة المدربين تدريباً جيداً رزقهم وخلقت أمريكا بهذا أعداءها الأكثر ذكاءً والعداوة المريرة لها».
وتضيف: «سر النجاح يكمن فى الجمع بين الأضداد، الجمع بين المعتقدات المتعصبة لمجموعة ما والحسابات الاستراتيجية لمجموعة أخرى». وتابعت: «بكر أصبح تدريجياً واحداً من القادة العسكريين المسئولين فى العراق، واحتجز عام 2006 فى سجن للجيش الأمريكى فى معسكر بوكا فى أبوغريب، لكنه نجا من موجات الاعتقالات والسجن والقتل التى كانت تمارسها القوات الأمريكية والوحدات الخاصة من القوات العراقية والتى كانت تهدد بالأساس مؤسسى تنظيم الدولة الإسلامية. وكان السجن بالنسبة له وعدد من أصحاب الرتب العسكرية البعثيين فرصة للسيطرة على دائرة صغيرة من الجهاديين. واستفادوا من سجن معسكر بوكا فى تأسيس شبكة كبيرة من الاتصالات، وكان القادة الكبار يعرفون بعضهم منذ فترة طويلة».
وتقول الصحيفة: «فى عام 2010، بدت فكرة هزيمة الحكومة العراقية عسكرياً بلا جدوى، لكن التنظيم الكبير عمل فى الخفاء من خلال العمليات الإرهابية». وتضيف: «وعندما اندلعت الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد فى سوريا لمس قادة التنظيم فرصة بحلول عام 2012 فى استغلال الوضع فى شمال سوريا الذى خرجت منه قوات النظام وبقيت ألوية عسكرية للمعارضة السورية وهى جزء من المزيج الفوضوى فى الشمال وكلها فى حالة ضعف، ما يعطى الفرصة لمجموعة منظمة بشكل محكم من ضباط سابقين أن تستغل ذلك لصالحها».
وبحسب الصحيفة الألمانية، ظل كثير من مكاتب الدعوة التى فتحها التنظيم فى سوريا تبدو بريئة حتى ربيع 2013، ولم يكن هناك أى ذكر لتنظيم الدولة الإسلامية، كما كانت المكاتب الدعوية مثلها مثل المنظمات الخيرية المنتشرة فى جميع أنحاء العالم. وعندما فتحوا مكتبهم فى «الرقة»، التى فيما بعد ستكون عاصمة للتنظيم، كانوا يقولون: «نحن إخوانكم» ولم يتلفظوا بكلمة واحدة عن الدولة الإسلامية. وكان الوضع مماثلاً فى عدد من المدن السورية مثل الأتراب وإعزاز وإدلب وغيرها، فتمكن التنظيم من تجنيد عديد من الطلاب الذين عملوا جواسيس للتنظيم واستئجار الشقق والمبانى وبدأت فى بدايات 2013 تظهر الأعلام السوداء لـ«داعش». وفى الأماكن التى كان مؤيدوه فيها قليلين أو يجدون مقاومة ضدهم كانوا ينسحبون مؤقتاً.
وتابعت الصحيفة: «كانت طريقة عمل التنظيم فى البداية التوسع دون المخاطرة وتنفيذ أعمال القتل والعداء لكن مع إنكار المسئولية تجاه هذه الأعمال. لم يكن واضحاً من هم القادة فى البداية، ولم يعتمد بكر والضباط الذين معه على العراقيين بل فى الحقيقة منعوهم فى البداية من السفر إلى سوريا، وكذلك لم يعتمد على السوريين، لكنهم لجأوا لخيار أكثر تعقيداً وهو الاعتماد على جمع كل المتطرفين الأجانب فى سوريا من كل الدول وأن يكونوا تحت القيادة العراقية. وبالفعل فى عام 2012، أقيمت المعسكرات لهم فى عدة أماكن ولم يكن أحد يعرف إلى أى الجماعات ينتمون، وكانوا لا يتحدثون للصحفيين، وكانت مخيماتهم منظمة بدقة.
وتقول الصحيفة: «التنظيم اعتمد على خدعة بسيطة من خلال استخدام «الأقنعة السوداء» ليس فقط ليثيروا الرعب، وإنما لعدم معرفة الأشخاص أنفسهم وأعدادهم، واستخدمت ذلك فى أنه فى إحدى المرات ظهر منهم 200 مقاتل فى 5 أماكن مختلفة الواحدة تلو الأخرى، لا يمكن هنا أن تعرف إذا كان عددهم ألفاً أو دون ذلك لأنك لا تعرف وجوههم.
الهيكل الإدارى لداعش الذى وضعه حجى بكر فى المستويات السفلى الخاصة بالمناطق والقرى
الهيكل الإدارى لداعش الذى وضعه حجى بكر فى المستويات العليا